عندما يُشوه رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت مفهوم العدالة المجالية والترابية في الأقاليم الخمسة

كشفت الحلقة الأولى من برنامج «من قلب الجهة» الذي تبثه القناة الثانية (2M) معطيات تثير نقاشا جديا حول كيفية تنزيل مبدأ العدالة الترابية داخل جهة درعة تافيلالت، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الاستثمارات العمومية بين أقاليم الجهة.

فخلال حديثه عن حصيلة وبرمجة مجلس الجهة، خص رئيس الجهة إقليم الرشيدية بحيّز زمني ومعطياتي لافت، حيث استعرض مشاريع الجاذبية الحضرية والأرقام المرتبطة بها بدقة، فيما يشبه أنه استعار لسان رئيس المجلس الإقليمي للرشيدية، قبل أن يمر مرورا سريعا على باقي أقاليم الجهة — ورزازات، زاكورة، تنغير، وميدلت — في عرض مختصر لا يعكس نفس مستوى التفصيل.

هذا التفاوت في الخطاب يجد صداه، حسب معطيات البرمجة والمصادقة داخل المجلس، في الأرقام المعلنة. إذ أشار رئيس الجهة إلى تخصيص 120 مليون درهم لتهيئة شارعين فقط بمدينة الرشيدية، إضافة إلى برمجة تأهيل 22 حيا ابتداء من سنة 2026. غير أن الوثائق والاتفاقيات المصادق عليها تظهر وجود مشروع مهيكل بقيمة 220 مليون درهم موجه لمدينة الرشيدية وحدها، ما يرفع مجموع الاعتمادات المرصودة لهذا الإقليم إلى حوالي 340 مليون درهم.

في المقابل، لم تتجاوز الاعتمادات المبرمجة لإقليم ورزازات، حسب نفس المعطيات، 80 مليون درهم، فيما توزعت باقي الأقاليم على أرقام مماثلة أو أقل. وهو ما يطرح سؤالا مشروعًا حول منطق توزيع الموارد داخل جهة تضم أقاليم تعاني بدورها من هشاشة بنيوية، وعجز في البنيات التحتية، وحاجيات تنموية ملحة.

إن الجهوية المتقدمة، كما نص عليها الدستور، تقوم على التوازن والتضامن، وتقليص الفوارق المجالية، لا على تركيز الاستثمارات في إقليم واحد مهما كانت اعتبارات الجاذبية أو المركز الإداري. فالجهة ليست تجمعا غير متكافئ، بل وحدة ترابية يفترض أن تستفيد كل مكوناتها من رؤية تنموية منصفة.

عدد من الفاعلين الجهويين، اعتبروا أ، هذا ليس توازنا جهويا، بل تركيز كامل للموارد في إقليم واحد، مع التعامل مع باقي الأقاليم وكأنها مناطق ثانوية تنتظر الفتات، مؤكدين أن جهة درعة تافيلالت ليست الرشيدية + أربعة أقاليم هامشية، والتنمية ليست “غنيمة” تُوزع حسب الولاءات أو الانتماءات أو الحسابات السياسوية ما يقوله رئيس مجلس الجهة في التلفاز شيء… وما تفضحه الأرقام والبرمجة شيء آخر تماما، والأخطر؛ الخطاب يبرر الانحياز، والميزانية تنفذ الانحياز، إن كانت الجهوية المتقدمة تعني عند البعض تركيز 340 مليون درهم في إقليم واحد مقابل 80 مليون لأقاليم كاملة، فهذه ليست جهوية… هذه هندسة للّاتوازن وصناعة للتفاوتات، وخدمة للاغراض الحزبية الضيقة.

لفرق بين ما يقال في الخطاب الإعلامي وما تكشفه البرمجة المالية يفتح نقاشا أوسع حول معايير اتخاذ القرار داخل مجلس الجهة، ومدى احترامه لروح الحكامة الجهوية. فحين تترجم التوجهات إلى ميزانيات، تصبح الأرقام أبلغ من التصريحات.

إن استمرار هذا المنحى من شأنه أن يعمق الإحساس بالتهميش لدى أقاليم كاملة، ويحول الجهوية من أداة للإنصاف إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوتات المجالية، و تعزيز حضور حزب على حساب باقي الاحزاب المشاركة في الاغلبية، وهو ما يستدعي وقفة نقدية ومسؤولة، ليس من باب الجدل السياسي، بل دفاعا عن تنمية عادلة ومتوازنة لجهة درعة–تافيلالت بكل أقاليمها.

Exit mobile version