
بقلم : محمد السلمي
في سياق يتسم بتصاعد التنافس بين الوجهات السياحية، لم تعد فيه السياحة مجرد نشاط اقتصادي موسمي، ولم تعد الصورة السياحية نتاجاً مباشراً للحملات الترويجية الرسمية. إذ تحولت السياحة إلى مجال رمزي تُبنى فيه التمثلات، وتُصاغ عبره هوية المجالات، ويغدو الإعلام، وخاصة الجهوي منه، فاعلاً مركزياً في هذه العملية المعقدة. وفي هذا الإطار يطرح السؤال حول الدور الحقيقي للإعلام الجهوي في بلورة ومواكبة والترويج للوجهة السياحية، ليس باعتباره ناقلاً للأحداث، وإنما بوصفه منتجاً للمعنى وشريكاً ضمنياً في التنمية المجالية.
الوجهة السياحية، في جوهرها، بناء ذهني جماعي قبل أن تكون فضاءً جغرافياً أو منتجاً استهلاكياً. إذ تتشكل عبر الخطاب، والصورة، والحكاية، والتجربة المتخيلة التي تصل إلى المتلقي. في هذا الصدد، يحتل الإعلام الجهوي موقعاً استراتيجياً بحكم قربه من المجال، ومعرفته الدقيقة بتعقيداته الاجتماعية والثقافية والبيئية. غير أنه يظل محفوفاً بإشكاليات بنيوية تحد من قدرته على الاضطلاع بدوره كاملاً، وتجعل علاقته بالتنمية السياحية علاقة متوترة أكثر منها اندماجية.
تكمن الإشكالية الأولى في طبيعة الخطاب الإعلامي الجهوي ذاته، الذي غالباً ما يظل محكوماً بمنطق التغطية الإخبارية السريعة والمناسباتية. فباعتبار السياحة مسارا تنمويا طويل الأمد، تحتاج إلى خطاب تراكمي، يربط الماضي بالحاضر، ويضع المبادرات السياحية ضمن سياقها المجالي والإنساني، يظل العمق التحليلي محدود الحضور، ما يؤدي إلى تفتيت الصورة السياحية وتحويلها إلى مشاهد متفرقة تفتقر إلى سردية جامعة تمنح الوجهة معناها وخصوصيتها.
وتتعزز هذه الإشكالية مع ضعف إدماج الإعلام الجهوي في منظومة الحكامة السياحية. ففي كثير من الحالات، يعمل الإعلام على هامش السياسات العمومية، دون أن يُنظر إليه كشريك في التخطيط والتقييم والمتابعة. وبهذا، يفقد دوره كفضاء للنقاش العمومي، وقناة لتداول الأسئلة الجوهرية المرتبطة بنماذج التنمية السياحية، وأثرها الاجتماعي والبيئي، وحدود استدامتها. ومن هنا نستشف أن غياب هذا البعد النقدي لا يُضعف الإعلام فحسب، بل يُفرغ العملية التنموية من أحد آليات التقويم والمساءلة الرمزية.
أما على مستوى المتابعة، فتبرز فجوة واضحة بين الإعلان عن المشاريع السياحية وتتبع مآلاتها على أرض الواقع. فالتغطيات الإعلامية غالباً ما تتوقف عند لحظة الافتتاح أو التوقيع، دون مواكبة تطور المشاريع، أو رصد انعكاساتها على الساكنة المحلية والموارد التراثية والطبيعية. في هذا السياق، يمكن للإعلام الجهوي أن يلعب دور الوسيط بين القرار العمومي والواقع الميداني، عبر نقل صوت الفاعلين المحليين، وتسليط الضوء على الاختلالات، وتغذية النقاش العمومي بمعطيات واقعية.
وعلى مستوى الترويج، تتخذ الإشكالية بعداً أكثر دقة. فالترويج السياحي المعاصر لم يعد يقوم على الخطاب الدعائي المباشر، بل على إنتاج محتوى غني، قائم على السرد والتجربة والبعد الإنساني. وهنا يمتلك الإعلام الجهوي فرصة حقيقية للتميز، بالنظر إلى قربه من التفاصيل اليومية للمجال، وقدرته على التقاط ما هو غير مرئي في الخطابات المركزية. غير أن استثمار هذه الفرصة يظل رهيناً بتجاوز التنميط والاختزال، والانتقال نحو تقديم الوجهة السياحية في تعدديتها وتعقيدها، بما يعكس هويتها الحقيقية بدل صورتها الاستهلاكية السطحية.
كما لا يمكن الحديث عن دور الإعلام الجهوي في السياحة دون التوقف عند مسألة الكفاءات والتكوين. فالصحافة السياحية والثقافية تتطلب أدوات تحليل خاصة، ومعرفة بالتراث، وبالتحولات الجديدة في الطلب السياحي، لاسيما تلك المرتبطة بالاستدامة والتجارب المحلية. وفي غياب هذا التخصص، يظل الخطاب الإعلامي محدود الأثر، عاجزاً عن مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها القطاع.
رغم ذلك، يظل الإعلام الجهوي مؤهلاً للعب دور محوري في إعادة صياغة العلاقة بين السياحة والمجال. فحين ينتقل من منطق الخبر إلى منطق السرد، ومن التغطية إلى البناء، يصبح قادراً على المساهمة في بلورة رؤية سياحية مندمجة، تُشرك الساكنة المحلية، وتثمن التراث باعتباره مورداً تنموياً ورمزياً في الآن ذاته. كما يمكنه-الاعلام الجهوي- أن يشكل فضاءً للحوار بين مختلف الفاعلين، وأن يواكب التحولات لا بوصفها إنجازات منتهية، بل مسارات قابلة للنقد والتقويم.
في المحصلة، يمكن القول أن إشكالية الإعلام الجهوي والسياحة لا تكمن في غياب الدور، بل في غموض حدوده ووظائفه داخل المنظومة التنموية. وبين طموح التنمية السياحية وواقع الممارسة الإعلامية، يتحدد مستقبل الوجهات الجهوية بمدى قدرة الإعلام على إعادة تموقعه كفاعل نقدي، اقتراحي، ومنتج للمعنى، يسهم في بناء صورة سياحية متوازنة، قادرة على الاستمرار والتجدد.