يوسف الكوش يكتب… الرشيدية في قلب اللعبة الانتخابية: من يحرك القطع؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وقبل أن تُفتح رسميًا أبواب الحملات، بدأت ملامح الحركية السياسية تطفو إلى السطح بمدينة الرشيدية، في مؤشر واضح على دخول الفاعلين السياسيين مرحلة الإعداد المبكر، فالإقليم يعيش منذ أسابيع على وقع تحركات متزايدة، تقودها وجوه حزبية مألوفة وأخرى تسعى لشق طريقها نحو المشهد المحلي، مستثمرة في علاقات حزبية، وأنشطة جمعوية، وظهور محسوب في الفضاءات العمومية، وهو ما يضع الرشيدية اليوم في قلب اللعبة الانتخابية، ويطرح سؤالًا محوريًا: من يحرك القطع؟

ورغم أن العد العكسي للانتخابات لم يبلغ بعد ذروته، إلا أن ما يُسجَّل ميدانيًا يعكس حالة من الاستنفار السياسي القبلي، حيث تحولت اللقاءات غير الرسمية، والمبادرات الاجتماعية، وحتى بعض الأنشطة ذات الطابع المدني، إلى منصات غير معلنة للتسويق السياسي وبناء التموقع الانتخابي، وهو ما يكشف عن سباق مبكر، لا يخلو من الحدة، نحو حجز مواقع متقدمة في خريطة المجالس المنتخبة المقبلة.

اللافت في هذا السياق، هو أن التنافس الحقيقي لم يعد يدور فقط حول إقناع الناخبين أو بلورة برامج تنموية قابلة للتنزيل، بقدر ما انزاح نحو معركة أخرى أكثر حساسية: معركة التزكيات الحزبية، فقد باتت هذه الأخيرة، لدى عدد من التنظيمات، بمثابة بوابة العبور الوحيدة، تخضع في كثير من الأحيان لمنطق القرب من مراكز القرار، أو القدرة على ضمان “خزان انتخابي” جاهز، بدل الاحتكام إلى معايير الكفاءة، والنزاهة، والمسار السياسي والتنظيمي.

ويعتبر متابعون للشأن المحلي أن هذا الوضع يعكس اختلالات عميقة في بنية الممارسة الحزبية بالإقليم، حيث لا تزال بعض الأحزاب أسيرة حسابات ضيقة، تُغَلِّب الولاءات والمصالح الآنية على منطق التجديد السياسي وبناء نخب قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها المدينة، وهو ما ساهم، بشكل أو بآخر، في توسيع هوة عدم الثقة بين المواطن والعمل الحزبي، بل والسياسي عمومًا.

وفي هذا الإطار، يلاحظ أيضًا عودة بعض الأحزاب إلى الرهان على أسماء انتخابية مستهلكة، سبق أن تقلدت مسؤوليات تمثيلية، وأُثير حولها الكثير من الجدل خلال ولايات سابقة، سواء من حيث الأداء أو تدبير الشأن العام، هذا التوجه يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جدية الخطاب المتكرر حول “تجديد النخب”، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تقديم بدائل حقيقية، خاصة في ظل التحديات التنموية المركبة التي تواجهها الرشيدية.

فالاستمرار في إعادة تدوير نفس الوجوه، بنفس الخطابات، لا يخلو من مخاطر سياسية وانتخابية، خصوصًا إذا كان ذلك يتم على حساب فئات شابة وفاعلين جدد يحملون تصورات مختلفة، ويعبرون عن تطلعات شريحة واسعة من الساكنة التي باتت تطمح إلى ممارسة سياسية أكثر قربًا من همومها اليومية.

ورغم هذه الصورة المعقدة، لا يخلو المشهد من مؤشرات إيجابية، إذ برزت في الآونة الأخيرة محاولات جريئة لبعض الشباب والفاعلين الجمعويين لاقتحام مجال السياسة المحلية، مستندين إلى خطاب جديد يلامس قضايا ملموسة، من قبيل التنمية المحلية، البنية التحتية، التعليم، والصحة…، غير أن هذه المبادرات، على أهميتها، تصطدم بعراقيل بنيوية، أبرزها هيمنة منطق المحسوبية داخل بعض التنظيمات، وضعف آليات التأطير السياسي والتكوين الحقيقي.

إن التحركات السياسية التي تعرفها الرشيدية اليوم، وإن بدت سابقة لأوانها، تعكس في العمق حالة من الترقب الحذر، والاستعداد الاستباقي للتعامل مع ما ستفرزه الاستحقاقات البرلمانية المقبلة، كما أنها تعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية ظلت معلقة لسنوات حول جدوى المشاركة السياسية، وحدود التغيير عبر صناديق الاقتراع.

وفي النهاية، يظل الرهان الحقيقي هو في قدرة الأحزاب على تقديم بدائل نابعة من آلام وآمال “ولاد البلاد” فعلًا، لا شعارًا، وبما يكرس ممارسة سياسية مسؤولة تستعيد ثقة المواطن، وتفتح أفقًا جديدًا للتنمية والتمثيل الحقيقي.

Exit mobile version