
يُعد ضريح محمد بن الحسن الداخل، المعروف محليًا باسم سيدي محمد لقواس، الكائن بمدينة مولاي علي الشريف بإقليم الرشيدية، واحدًا من أبرز المعالم الروحية والتاريخية في الجنوب الشرقي للمملكة، بالنظر إلى رمزيته المرتبطة بكونه الجد المباشر للمولى علي الشريف مؤسس الدولة العلوية الشريفة، وما يحمله ذلك من دلالات عميقة متصلة بالشرعية التاريخية والسياسية للدولة المغربية.
غير أن هذا الفضاء الذي يُفترض أن يحاط بأقصى درجات العناية والتوقير، بات اليوم يجسد صورة مقلقة من التهميش والإهمال، بعدما تحول إلى ملاذ للمتشردين ومرتادي السلوكيات المنحرفة، في مشهد يمس بحرمة المكان ويقوض ما يختزنه من قيمة رمزية وروحية في الوجدان الوطني.
ولا يبدو ما آلت إليه وضعية الضريح مجرد خلل عابر أو تقصير ظرفي، بل يعكس اختلالًا أعمق في تدبير الذاكرة الدينية والتراث الروحي المرتبط بتاريخ الدولة العلوية. ويطرح استمرار هذا الوضع، في ظل غياب أي تدخل ملموس من الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تساؤلات قانونية ومؤسساتية مشروعة، خاصة وأن الإطار التنظيمي المؤطر لتدبير الأوقاف والزوايا والأضرحة يُحمّل هذه الجهات مسؤولية صيانة هذه الفضاءات وحمايتها من كل أشكال الإهمال أو الاستغلال غير المشروع، وصون قدسيتها باعتبارها جزءًا من النظام الرمزي والديني للمملكة.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند استحضار وجود مقبرة يهودية لا تبعد سوى بنحو خمسمائة متر عن الضريح، خضعت لأشغال ترميم وتسوير وعناية منتظمة ضمن برامج رسمية، وتضم ضريح الحاخام ديفيد أبو حصيرة المرتبط بأحداث تاريخية تعود إلى سنة 1919، ومعلوم أن صيانة هذا الموروث تندرج في إطار التزام الدولة بحماية الروافد الدينية والثقافية المتعددة للمجتمع المغربي، غير أن الإشكال يبرز في غياب توازن واضح في ترتيب أولويات العناية بالذاكرة الدينية الوطنية، بما يضمن عدالة رمزية بين مختلف مكوناتها دون انتقائية.
أمام هذا الواقع، تبرز أسئلة جوهرية حول المعايير المعتمدة في حماية الرموز الدينية والتاريخية، وحول مدى انسجام الممارسة الفعلية مع الخطاب الرسمي الداعي إلى تثمين الرأسمال اللامادي وصون التراث المادي والروحي باعتباره رافعة للهوية والتنمية الثقافية. كما يثير استمرار تدهور وضعية الضريح إشكال المسؤولية القانونية والإدارية للجهات المعنية، في ضوء ما يمثله ذلك من إخلال بواجبات الحماية والصيانة المقررة قانونًا، وما قد ينجم عنه من مساس بالنظام العام الديني والرمزي للدولة.
إن إعادة الاعتبار لضريح سيدي محمد لقواس لم تعد مسألة محلية محدودة، بل تحولت إلى قضية ذات بعد وطني تمليها اعتبارات التاريخ والقانون والرمزية السياسية، وبين خيار الترميم الشامل والتأهيل المندمج ضمن مسار تثمين الذاكرة العلوية بالمنطقة، وخيار إنهاء وضعية التدهور بما يصون حرمة المكان ويمنع استمرار تدنيسه، يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة منطق المسؤولية في تدبير الذاكرة الدينية، بما يحفظ مكانة رموز الدولة ويعزز الثقة في عدالة السياسات العمومية المرتبطة بالتراث الروحي للمملكة.