
تستعد الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان لتنظيم أشغال المنتدى الجهوي السادس حول المجتمع المدني بجهة درعة‑تافيلالت، وذلك يومي 13 و14 فبراير 2026 بمدينة الرشيدية، تحت شعار “التمويلات البديلة: رافعة لتعزيز دور المجتمع المدني في التنمية”، في خطوة تُقدَّم رسمياً على أنها تروم توسيع آفاق دعم العمل الجمعوي وتعزيز مساهمته في الدينامية التنموية على المستوى الترابي.
غير أن هذا الموعد التنظيمي يثير، في المقابل، جملة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة الفاعلين الحاضرين في المشهد الجمعوي الجهوي، خصوصاً في ظل الحضور المتنامي لجمعيات يُنظر إليها باعتبارها قريبة من حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يطرح مخاوف بشأن حدود الاستقلالية المفترضة للفعل المدني، ومدى تحوله إلى امتداد غير مباشر للفعل الحزبي بدل أن يشكل قوة اقتراحية مستقلة تخدم الصالح العام بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
ورغم أن المنتدى يندرج ضمن تفعيل محاور استراتيجية “نسيج 2022-2026” الهادفة إلى الارتقاء بالبنيات التنظيمية والمؤسساتية للجمعيات وتكريس استقلاليتها المالية وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، فإن عدداً من المتتبعين يرون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في آليات التمويل، بل في طبيعة توزيع الدعم والانتقائية التي قد تطبع الاستفادة منه، بما يعمّق الفوارق بين الجمعيات القريبة من دوائر القرار وتلك التي تشتغل ميدانياً بإمكانات محدودة.
كما يُخشى أن يتحول خطاب “التمويلات البديلة” إلى مجرد غطاء نظري لا يعالج الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع، وعلى رأسها ضعف الشفافية في تدبير الموارد، وغياب تقييم موضوعي لأثر المشاريع المنجزة، فضلاً عن محدودية إشراك الفاعلين الحقيقيين في بلورة السياسات العمومية المرتبطة بالمجتمع المدني على المستوى الترابي.
ويرى فاعلون جمعويون أن الدولة غالباً ما تستحضر دور الجمعيات خلال فترات الأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية، حيث تُعوَّل عليها في امتصاص الاحتقان وتقديم خدمات أساسية، دون أن يقابل ذلك تمكين فعلي ومستدام يضمن استقلال قرارها وقدرتها على المبادرة خارج منطق التدبير الظرفي. ويُختزل بذلك شعار “دمقرطة الفعل العمومي ترابياً” في بعد شكلي لا يرقى إلى بناء شراكة متوازنة قائمة على المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص.
وسيخصص اليوم الثاني من أشغال المنتدى لتنظيم أربع ورشات موضوعاتية تتناول مخرجات الدراسات المرتبطة بالتمويلات البديلة، وآليات الأنشطة المدرة للدخل، وإمكانات التمويل التعاوني عبر المنصات الرقمية، إضافة إلى محور المسؤولية المجتمعية للمقاولات. غير أن نجاح هذه المحاور يظل رهيناً بمدى ترجمتها إلى إجراءات عملية قابلة للتنزيل، بعيداً عن منطق التوصيات المتكررة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان الحقيقي ليس في تنظيم المنتديات واللقاءات التواصلية فحسب، بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والنسيج الجمعوي عبر ضمان استقلاليته الفعلية، وتكريس شفافية التمويل، وربط الدعم العمومي بمعايير الاستحقاق والنجاعة، بما يسمح بتحويل المجتمع المدني إلى شريك تنموي حقيقي لا مجرد فاعل ظرفي تُستدعى أدواره عند الحاجة.