
في بلاغ توضيحي صدر عقب الجدل الواسع الذي رافق حفل 12 فبراير 2025، أعلنت جمعية بوكافر بألنيف، نواحي تنغير، براءتها الكاملة من أي مشاركة في تنظيم النشاط الذي أشرفت عليه السفارة الفرنسية، والذي تم خلاله تدشين ما أُطلق عليه “المربع العسكري” بمقبرة ألنيف بوكافر، إلى جانب تكريم عدد من عناصر “الكوم” الذين قاتلوا إلى جانب القوات الاستعمارية خلال معركة بوكافر سنة 1933.
وأوضحت الجمعية أن الصيغة الحالية للمشروع لا تتحمل فيها أي مسؤولية تنظيمية أو مالية أو إدارية، مؤكدة أنها لم تساهم بدرهم واحد ولم تتلق أي تمويل، كما لم تشارك في إعداد برنامج الحفل أو تحديد لائحة المدعوين. وأشارت إلى أنها تلقت دعوة للحضور فقط بصفتها صاحبة الفكرة الأصلية لترميم المقبرة منذ سنة 2012، رفقة شريكها في التصور الأولي للمبادرة.
وجاء هذا التوضيح بعد موجة انتقادات حادة أعقبت تنظيم الحفل تحت عنوان “الذاكرة المشتركة”، حيث اعتبر عدد من المتتبعين أن تكريم من وُصفوا بـ“الكوم” يمثل إساءة لرمزية المقاومة و”طعنة في ظهر” شهداء معركة بوكافر، الذين سقط منهم المئات دفاعاً عن الأرض في مواجهة التوغل الاستعماري.
وشددت الجمعية في بيانها على أن موقفها المبدئي ثابت، ومفاده أن ترميم المقابر لا يعني إطلاقاً تمجيد المستعمر أو تبييض صفحة حقبة استعمارية دامية، بل يندرج ضمن صون شاهد مادي على معركة مفصلية في تاريخ الجنوب الشرقي. وأبرزت أن المقبرة المعنية تضم حوالي 15 قبراً لعناصر “الكوم”، إلى جانب أكثر من 63 قبراً لساكنة المنطقة وأفراد “المخزن” وموظفين سابقين، قبل أن يتم إغلاقها.
وأكدت الهيئة أن تأسيسها سنة 1992 كان بدافع رد الاعتبار لملحمة بوكافر لسنة 1933، التي خاضتها قبائل أيت عطا ومن حالفها ضد القوات الاستعمارية، في مرحلة وُصفت آنذاك في أدبيات الاحتلال بـ“التهدئة” عقب توقيع معاهدة الحماية.
واعتبرت أن تلك المرحلة جسدت أسمى معاني البسالة ونكران الذات، وشكلت محطة مفصلية انتهت بكون بوكافر آخر معاقل المقاومة التي أخضعتها القوات الاستعمارية في مارس 1933.
وأشارت الجمعية إلى أن هذه الملحمة ظلت لعقود طويلة خارج دائرة الضوء، وهو ما دفعها إلى اعتماد مقاربة تربوية وتوعوية داخل المؤسسات التعليمية، من أجل تعريف الأجيال الصاعدة بتاريخ المنطقة ونفض الغبار عن حقبة تم تهميشها في المناهج الوطنية، لأسباب سياسية وإيديولوجية ضيقة، بحسب تعبير البيان.
كما أبرزت أن مسار النضال الوطني في المنطقة لم يتوقف عند معركة بوكافر، بل امتد إلى جيش التحرير وملحمة “مغيطي” خلال حرب الرمال، مروراً بالمسيرة الخضراء، وصولاً إلى التحديات التنموية الراهنة. وأكدت أنها لم تجعل من أمجاد الأجداد مادة للاسترزاق أو الريع، بل اعتبرتها رافعة لبناء مستقبل تنموي مستدام لفائدة ألنيف والجنوب الشرقي عموماً.
وفي معرض دفاعها عن حصيلتها، أوضحت الجمعية أنها راكمت أزيد من ثلاثة عقود من العمل التطوعي، تعاقب خلالها على تسييرها أكثر من 96 عضواً، مؤمنة بأن النضال فعل تراكمي عابر للأجيال. كما ذكّرت بأنها دأبت على تنظيم زيارات ميدانية سنوية لمئات التلاميذ إلى جبال بوكافر، حيث ترقد رفات الشهداء، مساهمة في ترسيخ الوعي التاريخي وربط الناشئة بذاكرتهم الجماعية.
وبخصوص مشروع ترميم مقبرة ألنيف، أفادت الجمعية أن فكرته الأصلية انبثقت سنة 2012 خلال ندوة فكرية نظمت في إطار تخليد ذكرى المعركة، وكان الهدف منه الحفاظ على آخر معلم مادي مرتبط بتلك المرحلة، إلى جانب أبعاد بيئية وتنظيمية. غير أن المشروع تعثر آنذاك بسبب تدخل الجماعة لبناء سور للمقبرة، إضافة إلى محدودية التمويل بين الشريكين اللذين أشرفا لاحقاً على إنجاز ربورتاج “(33) Bougafer” الذي وثق لتاريخ المعركة ومجد تضحيات المقاومين.
وفي ختام بيانها، شددت الجمعية على مطالبها الثابتة، وفي مقدمتها رد الاعتبار لأرواح الشهداء، وترسيخ ملحمة بوكافر في الذاكرة الوطنية، ومطالبة فرنسا بالاعتذار الرسمي عن جرائم الحقبة الاستعمارية، إلى جانب جبر الضرر الجماعي للمنطقة عبر استثمارات حقيقية وبنيات تحتية لائقة، واعتماد تمييز إيجابي في النموذج التنموي، بما يضمن تثمين خيرات الجنوب الشرقي وصون هويته الوطنية واللامادية.