اختفاء قوافل “جود” الزرقاء يفضح المستور… نهاية إحسان أم نهاية نفوذ سياسي؟

 

لسنوات، كانت “جود” تملأ رمضان ضجيجا وصورا وقوافل زرقاء. حضور كثيف، انتشار واسع، وشبكة تتحرك بدقة عسكرية في القرى والمدن. القفف الغذائية كانت تصل، والكاميرات كانت تصل معها. خلف المشهد الإنساني، كان هناك ظل سياسي واضح، واسم واحد يطغى على البقية.. عزيز أخنوش.

في تلك المرحلة، كانت المبادرة جزءا من معركة تموقع، ورسالة سياسية تُبث عبر العمل الخيري.

حزب التجمع الوطني للأحرار كان يتمدد ميدانيا، و”جود” كانت أحد أذرعه الأكثر نعومة وتأثيرا.

في عز المعارك الانتخابية، كان الحضور الاجتماعي يوازي الحضور الحزبي، ويعزز صورته في المناطق الهشة حيث الحاجة أكبر من الشعارات.

ثم تغيرت المعادلة.

لقد كان تنحي عزيز أخنوش عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار زلزالا أعاد توزيع مراكز القوة. ومع سقوط الغطاء السياسي الذي كان يمنح “جود” زخمها، انكشفت الهشاشة. القوافل التي كانت تتحرك بثقة، اختفت فجأة. الشبكات التي كانت تنشط بحيوية، خفت صوتها. الصمت حلّ مكان الضجيج.

إن الغياب هذه السنة بمثابة رسالة سياسية صارخة. مؤسسة كانت تُقدم كفاعل مدني مستقل، تراجعت مع تراجع راعيها السياسي. المشهد كشف بوضوح حجم التداخل بين الإحسان والحسابات الحزبية، وبين القفة الرمضانية والرهان الانتخابي.

خصوم التجمع الوطني للأحرار ظلوا يرددون أن “جود” أداة تأثير سياسي مغلفة بخطاب تضامني. الحزب كان يرفض الاتهام، ويؤكد أن العمل اجتماعي صرف.

لكن الواقع الحالي أعاد طرح السؤال بشكل أكثر حدّة: لو كان العمل مؤسسيا مستقلا، لماذا تراجع بزوال دينامية القيادة السابقة؟ ولماذا اختفى الوهج مع تبدل موازين النفوذ؟

اليوم، رمضان يمر من دون القوافل الزرقاء المعتادة. الأحياء التي اعتادت الحضور المكثف، تواجه فراغا.

في الكواليس، تتحدث أصوات عن إعادة تموقع، عن مراجعات، عن حسابات جديدة. غير أن الصورة الأوضح تقول إن السياسة عندما ترفع يدها، ينطفئ الضوء سريعاً.

حكاية “جود” في رمضان الحالي تحولت إلى مرآة تكشف كيف يمكن أن يتحول العمل الإحساني إلى جزء من هندسة النفوذ، وكيف يمكن أن يتراجع بنفس السرعة عندما تتغير مراكز القرار.

إنها قصة نفوذ تمدد ثم انكمش، وقوافل صعدت على إيقاع السياسة، ثم اختفت مع تغير الإيقاع.

Exit mobile version