
تمت تلاوة هذا التقرير من طرف اهرو ابرو، رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت، خلال أشغال الدورة العادية لشهر مارس للمجلس، المنعقدة يوم الاثنين 02 مارس 2026، بمقر الجهة بمدينة الرشيدية، وذلك في إطار مناقشة المحور الرابع في جدول الأعمال المتعلق بحكامة التدبير، و عرض تقرير حول تدقيق العمليات المالية والمحاسباتية لجهة درعة تافيلالت برسم سنتي 2022 و 2023
لم يأتِ تقرير تدقيق التدبير المالي والإداري الأخير المنجز من المفتشية العامة للإدارة الترابية، الذي عرضه رئيس الجهة أمام الاعضاء والاعلام والسلطة، بجديد، بقدر ما أكد استمرار اختلالات بنيوية في تدبير المشاريع العمومية بجهة درعة تافيلالت خلال سنتي 2022 و2023، وهي اختلالات تتجاوز الطابع التقني لتلامس جوهر الحكامة والنجاعة في صرف المال العام.
و بخلاف ما قاله اهرو أبرو في بداية تلاوته للتقرير، فإن هذا الأخير لم يتضمن بالبت المطلق أي حكم قيمة من قبيل التنويه سواء بإدارة الجهة أو بالمجلس أو بالوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، ولم يكن ذكر التنويه هنا لإدارة الجهة، بحسب معطيات استقتها الجريدة، سوى محاولة “للطبطبة” من طرف الرئيس على “المدير العام للمصالح” بعد كشف الجريدة لعدد من الاختلالات و الخروقات كان طرفا مباشرا فيها وتصاعد الأصوات الرافضة لاستمرار وجوده سواء بالإدارة أو بالمجلس.
فرغم اللغة الايجابية و الخطاب المعكوس الذي حاول رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت، اهرو أبرو، تلاوته خلال أشغال الدورة العادية لمجلس الجهة لشهر مارس الجاري، بذكره فقط للتوصيات و ما اقترحته لجنة التدقيق كما أسماها، إلا أن الجريدة استطاعت الحصول على مختلف المشاكل الهيكلية و التفاصيل المرتبطة بالضعف التي طبعت العمليات المالية والمحاسباتية لمجلس الجهة برسم سنتي 2022 و 2023.
وتكشف التوصيات الواردة فيه، في عمقها، عن مشاكل هيكلية في التخطيط، والتتبع، وضبط الموارد، وجودة الإنجاز، مما يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة الجهة على تحويل البرامج التنموية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
أبرز ما يكشفه التقرير هو غياب منظومة متكاملة لتتبع تنفيذ المشاريع وقياس آثارها، وهو معطى خطير بالنظر إلى حجم الاستثمارات العمومية المعبأة، فغياب مؤشرات واضحة للأداء يجعل من الصعب تقييم جدوى المشاريع أو مساءلة الجهات المشرفة عليها، ويُبقي التدبير في دائرة التقارير الورقية بدل النتائج الميدانية.
كما أن ضعف تتبع توصيات تقارير التدقيق السابقة يعكس محدودية الإرادة المؤسساتية في القطع مع الاختلالات المتكررة، حيث تتحول الملاحظات الرقابية إلى مجرد توصيات دون آليات إلزامية لتنفيذها.
و على المستوى المالي، يكشف التقرير عن إشكال جوهري يتعلق بعدم ضبط قاعدة الملزمين بالرسم على استغلال المناجم، وهو ما يحرم الجهة من موارد مالية مهمة كان من الممكن توجيهها للاستثمار الاجتماعي. هذا الخلل لا يعكس فقط ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية، بل يطرح أيضا إشكالية غياب رؤية واضحة لتعبئة الموارد الذاتية للجهة وتنميتها.
كما تظهر التوصيات أن اتفاقيات الشراكة المبرمة لا تحمي بما يكفي المصالح المالية للجهة، في ظل غياب بنود صريحة لاسترجاع الفوائض المالية أو لضبط الالتزامات التعاقدية بدقة، وهو ما يجعل الجهة في موقع هش داخل شراكات يفترض أن تقوم على توازن المصالح والالتزامات.
و يسجل التقرير كذلك ضعف الدراسات القبلية لتحديد الكلفة المالية الحقيقية للمشاريع، وهو خلل تقني في ظاهره، لكنه يحمل تبعات سياسية ومالية خطيرة، لأنه يؤدي إما إلى تضخيم الميزانيات أو إلى تعثر المشاريع بسبب سوء التقدير. كما أن صرف مساهمات الجهة دون ربط صارم بنسبة تقدم الأشغال يفتح المجال لصرف اعتمادات دون مقابل فعلي على أرض الواقع، بما يحول التمويل العمومي إلى رهان محفوف بالمخاطر.
أما على مستوى إنجاز المشاريع، فيكشف التقرير عن ضعف المراقبة التقنية نتيجة محدودية اللجوء إلى مكاتب دراسات مختصة، وهو ما يهدد جودة البنيات التحتية واستدامتها، ويزداد هذا الخلل حدة مع غياب تمثيلية مجالية كافية للوكالة المكلفة بتنفيذ المشاريع، الأمر الذي يقلص من قدرة الإدارة على التتبع الميداني السريع ومعالجة الأعطاب في حينها.
وفي قطاع الطرق، تبرز مفارقة صارخة بين الاستثمار العمومي ومتطلبات السلامة، حيث سجل غياب علامات التشوير في عدد من المشاريع، مما يحول الطرق الجديدة إلى فضاءات محفوفة بالمخاطر بدل أن تكون رافعة للتنمية والتنقل الآمن. كما أن تأخر تسليم المشاريع المنجزة إلى الجهات المكلفة بتسييرها وصيانتها يعكس ارتباكا في توزيع المسؤوليات، ويؤدي عمليا إلى تآكل سريع للبنيات المنجزة.
وعلى الصعيد الإداري، يبرز استمرار الحاجة إلى ملء مناصب المسؤولية وتعزيز هيكلة الإدارة، ما يعكس خصاصا في الكفاءات أو بطئا في اتخاذ القرار، ويُضعف القدرة المؤسساتية على مواكبة حجم البرامج المبرمجة.
و تكشف هذه المعطيات أن الإشكال في جهة درعة تافيلالت، لم يعد مرتبطا فقط بندرة الموارد أو صعوبة المجال، بل أصبح مرتبطًا أساسا بنمط تدبير يعتمد على البرمجة أكثر من الإنجاز، وعلى الخطاب أكثر من الأثر. فالتنمية الجهوية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات ولا بحجم الاعتمادات، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وهو ما لا تسمح به، حاليًا، منظومة تتبع ضعيفة وتعاقد مالي هش ومراقبة تقنية محدودة.
وفي ظل هذه الاختلالات، يبقى السؤال المطروح: هل ستتحول توصيات لجان التدقيق إلى إجراءات ملموسة تعيد الاعتبار للحكامة الجهوية، أم ستظل حبيسة التقارير، في انتظار تقرير جديد يعيد تشخيص نفس الأعطاب بصيغة مختلفة؟