
تستمر عجلة إنفاق مجلس جهة درعة تافيلالت في الدوران حول “الاستهلاك”، ففي الوقت الذي تئن فيه أقاليم الجهة تحت وطأة خصاص مهول في البنيات التحتية، يطل علينا المجلس بصفقة جديدة (رقم 04/RDT/2026) تخصص أزيد من 83 مليون سنتيم (830,500.00 درهم) لخدمات الفندقة والإطعام.
هذه الصفقة، التي تأتي تحت غطاء “تكوين المنتخبين”، تثير تساؤلات حارقة حول جدوى هدر مبالغ طائلة في “لقاءات بروتوكولية” يمكن تنظيمها بكلفة أقل بكثير لو توفرت إرادة حقيقية لترشيد النفقات، خاصة وأن الجهة تحتل مراتب متأخرة في مؤشرات التنمية الوطنية.
وما يثير الريبة في تفاصيل هذه الصفقة هو “النفخ” الواضح في أرقام الخدمات المطلوبة؛ إذ كيف يعقل أن يطلب المجلس 100 ليلة مبيت فقط، بينما يقفز بطلبات “استراحة الشاي” (Pause café) إلى رقم فلكي يبلغ 4000 حصة؟ هذا التباين الصارخ يوحي بأننا لسنا أمام دورة تكوينية جادة بقدر ما نحن أمام “وليمة مفتوحة” تهدف إلى استنزاف الميزانية المخصصة للتكوين في أمور استهلاكية.
أرقام صادمة وتفاصيل مثيرة
تكشف وثائق الصفقة (التي حصلنا على تفاصيلها) عن كلفة تقديرية تصل إلى 830,500.00 درهم. المثير للاستغراب ليس فقط المبلغ الإجمالي، بل تفاصيل “دفتر التحملات” الذي يبدو أنه صمم لتدليل المشاركين؛ حيث يطالب المجلس بتوفير 4000 حصة من “استراحات الشاي” (Pause café) بمواصفات “باذخة” تشمل الفواكه الجافة (اللوز والجوز وكاجو) وعصائر طبيعية متنوعة، بالإضافة إلى 400 وجبة غداء دسمة و100 ليلة مبيت بفنادق مصنفةـ هذا ان كان سيتم توفير هذا كله فعلا .
و بينما يطلب المجلس 100 ليلة مبيت ، يطلب في المقابل 4000 حصة “بوز كافي”! هذا التفاوت يطرح سؤالا جوهريا: هل نحن أمام تكوين أم “وليمة مفتوحة”؟ إذا كان عدد أيام التكوين محدودا، فمن هم هؤلاء الآلاف الذين سيتناولون الحلويات والمملحات؟ هذا “النفخ” في الأرقام غالبا ما يستخدم لتمرير صفقات مربحة لشركات بعينها تحت غطاء التكوين.
تساؤلات حول “النجاعة المالية”
لماذا يصر مجلس الجهة على تخصيص أزيد من 83 مليون سنتيم لخدمات “ثانوية” بينما يمكن استغلال القاعات العمومية ومراكز التكوين التابعة للدولة لتقليص هذه الكلفة؟ وأين هي “الحكامة” التي يتغنى بها المسؤولون حينما نجد أن وجبة “شاي وحلويات” تتكرر بآلاف الحصص في وقت تعاني فيه جماعات ترابية بالجهة من العجز عن توفير وقود لسيارات الإسعاف؟
بالنظر إلى دفتر التحملات (CPS)، نجد إصرارا على تفاصيل ترفيهية دقيقة، فالصفقة تشترط “اللوز والجوز والكاجو” و”الديكور بالزهور” على الطاولات. في جهة تعاني من توالي سنوات الجفاف، وتفتقر فيها قرى “ميدلت” و”زاكورة” لأبسط شروط الحياة، يبدو هذا البذخ الاستهلاكي استفزازا لمشاعر الساكنة، و إن إنفاق 83 مليون سنتيم على “الرفاهية اللحظية” هو تكريس لسياسة “الريع” التي تجعل من العمل السياسي وسيلة للاستمتاع بامتيازات الضيافة لا لخدمة الصالح العام.
تكوين أم “سياحة انتخابية”؟
إن المتأمل في هندسة هذه الصفقة يدرك أن التركيز منصب على “الجانب الاحتفالي” أكثر من المحتوى المعرفي للتكوين. فبينما يتم التدقيق في نوعية “المملحات” وتزيين الموائد بالزهور، يبقى السؤال مطروحا: ماذا سيستفيد المواطن في زاكورة أو ميدلت من مبيت منتخبيه في فنادق الرشيدية وتناولهم لأفخر الحلويات بمالية الجهة؟ وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتدبير الرقمي (الذي يُفترض أن يكون موضوعاً للتكوين)، لماذا ما يزال المجلس ينهج أسلوب “اللقاءات الحضورية المكلفة” التي تستنزف ميزانية الضيافة؟ يمكن لجهة درعة تافيلالت، بدل هدر قرابة 100 مليون سنتيم في المبيت والأكل، أن تستثمر هذا المبلغ في إنشاء منصة رقمية دائمة للتكوين يستفيد منها المنتخبون والموظفون طيلة السنة، مما يوفر أموالا ضخمة يمكن تحويلها لمشاريع فك العزلة وتحسين ظروف عيش الساكنة.
سؤال “الزبونية” وتوقيت الصفقة
إن تحديد تاريخ فتح الأظرفة في 30 مارس 2026، هو توقيت يطرح تساؤلات حول طبيعة الأجندة السياسية. فغالبا ما تستخدم هذه اللقاءات “التكوينية” كغطاء لترميم التحالفات السياسية أو استمالة المستشارين تحت مسمى “الأيام الجهوية”، حيث يكون “الأكل والمبيت” هو الدافع الحقيقي للحضور وليس المحتوى العلمي للدورة، خصوصا مع التوترات الشديدة التي يشهدها المجلس منذ مدة.
و من خلال شروط الصفقة (الضمان المؤقت 16 ألف درهم والقدرة على توفير 4000 حصة)، يضع المجلس شروطا تقصي تلقائيا المقاولات الصغرى والناشئة في الأقاليم البعيدة، ويحصر المنافسة بين “حيتان” الفندقة بمركز الجهة، مما يكرس الفوارق المجالية حتى في كيفية صرف ميزانية الجهة.
إن هذه الصفقة هي نموذج حي لـ “تبذير المشروعية”؛ فمجلس الجهة لا ينتهك القانون بفتح هذه الصفقة، لكنه ينتهك “روح التدبير” ومبدأ “ترشيد النفقات”. إنها صفقة “إطعام” بامتياز، وليست صفقة “تأطير”، وهي استمرار لسياسة الهروب إلى الأمام عبر صفقات “الاستهلاك” عوض صفقات “الاستثمار” في العنصر البشري بشكل حقيقي ومستدام.
إن استمرار هذا النهج في التدبير المالي يكرس سياسة “الريع” ويحول التكوين المستمر من أداة لرفع كفاءة المنتخبين إلى وسيلة لتوزيع الامتيازات على النخبة السياسية بمركز الجهة. فبدل صرف قرابة 100 مليون سنتيم في الفنادق، كان الأجدر بالمجلس الاستثمار في رقمنة التكوين أو دعم المشاريع الصغرى المتعثرة بالأقاليم المهمشة. إن هذه الصفقة ليست مجرد وثيقة إدارية، بل هي دليل إدانة لسياسة ترتيب الأولويات التي تضع “كرامة المنتخب” في الأكل والمبيت فوق كرامة المواطن في الصحة والعيش الكريم.
شبهات “تضارب المصالح” تلاحق صفقات “الإطعام” بجهة درعة تافيلالت: هل تحولت موائد التكوين إلى “ريع” للموظفين وعائلاتهم؟
لا تتوقف فضائح صفقات “البريستيج” بجهة درعة تافيلالت عند حدود الأرقام الفلكية المخصصة للحلويات والمبيت، بل تتجاوزها إلى شبهات خطيرة تتعلق بـ “العلاقات المشبوهة” بين موظفين في إدارة المجلس والشركات المحظوظة التي تظفر بهذه الصفقات. ففي الوقت الذي يتم فيه إعداد دفتر التحملات لصفقة جديدة بقيمة 83 مليون سنتيم، تتصاعد الأصوات منتقدة “المشاهدات المتكررة” لموظفين، وعلى رأسهم مدير شؤون الرئاسة والمجلس، بالإضافة إلى موظفين مكلفين بمتابعة ملفات التكوين، وهم يترددون بانتظام على مطعم احدى الشركات التي أصبحت تنال صفقات ضخمة في الآونة الأخيرة.
إن ما يحدث خلف الكواليس يثير الغثيان؛ فحسب مصادر مطلعة، لم يعد الأمر يقتصر على وجبات عمل رسمية، بل تحول إلى “تردد مجاني وجزافي” لتناول وجبات الغداء والعشاء، بل والأخطر من ذلك، امتداد هذا “الريع الغذائي” ليشمل طلبات (Emporté) مخصصة لأبناء وعائلات هؤلاء الموظفين، وكل ذلك على حساب الشركة التي تجني أرباحها من أموال دافعي الضرائب بالجهة. هذا المشهد يطرح سؤالا أخلاقيا وقانونيا حادا: كيف يمكن لموظف مكلف بمراقبة جودة خدمات شركة ما وتتبع تنفيذ صفقتها، أن يكون هو نفسه “زبونا مجانيا” ومستفيدا دائما من خدماتها؟
إن هذا النوع من “العلاقات الحميمية” بين الإدارة والموردين يضرب مبدأ “المنافسة الشريفة” في مقتل، ويجعل من صفقات التكوين مجرد غطاء لتبادل المصالح الخاصة. فمن يضمن اليوم أن الصفقة الجديدة رقم 04/RDT/2026 لن تذهب لنفس “الجهة المعلومة” التي تتقن فن “إطعام” المسؤولين والموظفين قبل “إطعام” المنتخبين؟ إن استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية (ولو كانت وجبات غذائية للأبناء) هو قمة الاستهتار بمصالح جهة تحتل الصدارة في قائمة الفقر وتذيل قائمة التنمية.
و بناء على هذه المعطيات، لم يعد كافيا انتقاد ضخامة الميزانية المرصودة، بل وجب فتح تحقيق عاجل في “هوية” الشركات التي تسيطر على صفقات الإطعام بجهة درعة تافيلالت، ومدى تورط بعض رؤوس الإدارة في توجيه هذه الصفقات مقابل “خدمات” مجانية، في وقت تفتقر فيه مدارس الجهة ومراكزها الصحية لأبسط شروط التغذية الكريمة.