
علمت جريدة “الجهة الثامنة” من مصادر موثوقة، أن حالة من التوتر والاستياء تسود داخل دواليب وزارة الداخلية، على خلفية ما اعتبر تجاوزات خطيرة في تدبير المال العام من طرف عدد من رؤساء الجهات والمجالس المنتخبة، خاصة عبر وكالات تنفيذ المشاريع التي تحولت في بعض الحالات إلى آليات مثيرة للجدل في صرف الاعتمادات العمومية.
وأكدت مصادر الجريدة أن وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عبر عن غضب شديد إزاء ما وصفته التقارير الرقابية بتمادي بعض المنتخبين في استغلال هذه الآليات المؤسساتية لتحقيق مصالح ضيقة، على حساب الأهداف التنموية التي أحدثت من أجلها.
وأضافت مصادرنا أن هذا التحرك الرقابي يأتي في سياق سياسي دقيق، حيث يتردد اسم لفتيت بقوة ضمن الأسماء المرشحة لقيادة الحكومة المقبلة، الأمر الذي يضفي على هذه الخطوات بعدا سياسيا وأخلاقيا يروم، وفق المعطيات المتوفرة، إعادة ترتيب المشهد الانتخابي قبل استحقاقات سنة 2026، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن مرحلة الإفلات من المحاسبة قد شارفت على نهايتها.
وأشارت مصادر الجريدة إلى أن وزارة الداخلية تستعد لإطلاق ما يشبه “زلزالا رقابيا” داخل عدد من المجالس المنتخبة، من خلال قرارات عزل مرتقبة قد تطال أكثر من خمسة عشر رئيس جماعة، من بينهم رؤساء بإقليمي الرشيدية وميدلت، مع إحالة ملفات وصفت بـ”الثقيلة” على محاكم جرائم الأموال.
وأوضحت مصادرنا أن القائمة الأولية للعزل قد لا تشمل، في مرحلتها الحالية، رؤساء جهات بشكل مباشر، غير أن الرسائل التي وجهت إليهم كانت حازمة، وتؤكد أن النفوذ السياسي أو الحزبي لن يكون درعا يحول دون تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا في ما يتعلق بتدبير الصفقات العمومية وتوجيه الموارد المالية.
وقالت مصادر الجريدة إن الأسابيع المقبلة قد تشهد تفعيل دور المفتشية العامة للإدارة الترابية بشكل غير مسبوق، تحت إشراف الوالي زينب العدوي، حيث يجري العمل على إعادة فتح عدد من الملفات القديمة والحديثة المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، بعد أن ظلت لفترة طويلة حبيسة رفوف الإدارات.
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن التوجه الحالي يسير نحو متابعة بعض المتورطين بأثر رجعي، وهو ما قد يضع عددا من المنتخبين البارزين تحت مجهر التحقيق، خاصة في ظل شبهات تضخم الثروات واستغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مكاسب شخصية.
ويهدف هذا التوجه، تضيف المصادر، إلى فك الارتباط بين المال والسياسة، والحد من ظاهرة توظيف إمكانات الجماعات الترابية لبناء نفوذ مالي وانتخابي خارج منطق المصلحة العامة.
كما أن تحول بعض مكاتب الرؤساء، في نظر سلطة الوصاية، إلى مراكز تأثير مالي بدل أن تكون فضاءات لخدمة المواطنين، دفع وزارة الداخلية إلى تبني مقاربة صارمة تقوم على مبدأ “صفر تسامح” مع كل أشكال الاختلال في تدبير المال العمومي.
وتراهن السلطات المعنية، وفق المصادر ذاتها، على أن يسهم هذا الحراك الرقابي في استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه ورش الجهوية المتقدمة، والذي يفترض قيامه على حكامة جيدة ونخب سياسية تتحلى بروح المسؤولية.
وبناء على ذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشكل محطة حاسمة في مسار تدبير الشأن المحلي، من خلال عملية غربلة قانونية وسياسية تهدف إلى فرز النخب القادرة على تدبير المال العام بشفافية، وإبعاد كل من ثبت تورطه في تبديد الموارد العمومية، تمهيداً لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بوجوه تحظى بقدر أكبر من المصداقية والثقة.