
في أجواء علمية رصينة وتنظيم محكم، احتضنت عاصمة جهة درعة تافيلالت فعاليات الافتتاح الرسمي للمركز الدولي للسياحة، البيئة والتراث، الذي اختار أن يؤطر انطلاقته بندوة علمية وازنة تحت عنوان: “المجتمع المدني وقضايا السياحة والبيئة والتراث بجهة درعة تافيلالت”. وقد عرفت هذه التظاهرة حضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والمهنيين، إلى جانب فاعلين جمعويين وطلبة، ما أضفى على اللقاء بعدًا تفاعليًا متعدد الزوايا.
واستهلت أشغال الندوة بكلمة افتتاحية لرئيس المركز، الأستاذ رضا الشلفي، وضع من خلالها الإطار المرجعي الذي انبنى عليه إحداث هذه المؤسسة، مبرزًا أن تأسيس المركز يأتي استجابة لتحولات عميقة يعرفها قطاع السياحة وتقاطعاته مع قضايا البيئة والتراث، في سياق وطني يتجه نحو ترسيخ مقومات التنمية المستدامة. وأوضح أن المركز يرتكز في فلسفته على دعم البحث العلمي الرصين، وتعزيز أدوار المجتمع المدني، والانفتاح على محيطه المؤسساتي والمهني، بما يتيح إنتاج معرفة تطبيقية قادرة على مواكبة التحولات التنموية.
كما أبرز رئيس المركز أن هذه المؤسسة تسعى إلى بلورة فضاء علمي للحوار وتبادل الخبرات، وتأطير الفاعلين في المجالات ذات الصلة، فضلًا عن دعم المبادرات والمشاريع التي تندرج ضمن رؤية تنموية مندمجة. وفي السياق ذاته، شدد على أن آفاق اشتغال المركز تقوم على ترسيخ ثقافة الشراكة والتعاون مع مختلف المتدخلين، سواء من الأوساط الأكاديمية أو المهنية أو المؤسساتية، بما يعزز التكامل ويُسهم في الرفع من نجاعة التدخلات.
وعلى مستوى المداخلات العلمية، تميزت الندوة بتنوع مقارباتها وعمق مضامينها؛ إذ تم تسليط الضوء على دور المجلس الإقليمي للسياحة بالرشيدية كآلية مؤسساتية داعمة للتنمية السياحية المستدامة، كما تمت مقاربة الواحة باعتبارها نظامًا بيئيًا وثقافيًا متكاملًا يستدعي إعادة بناء العلاقة بين مكوناته في أفق تحقيق التوازن بين الاستغلال والحماية. وفي منحى تكاملي، تناولت مداخلات أخرى دور الجمعيات المهنية في النهوض بالقطاع السياحي بالجهة، إلى جانب إبراز إسهامات المجتمع المدني في دعم الدينامية التنموية عبر تدخلات التعاون الوطني ومواكبة النسيج الجمعوي. ولم تغفل النقاشات كذلك تشخيص الواقع البيئي بجهة درعة تافيلالت، مع التأكيد على الأدوار المحورية للمجتمع المدني في حماية المنظومات البيئية.
وقد شكلت الجلسة النقاشية محطة بارزة في أشغال الندوة، حيث أفرزت تفاعلات نوعية عكست انخراطًا فعليًا لمختلف الفاعلين، من مهنيين وأكاديميين وطلبة، الذين حجوا بكثافة لمتابعة فعاليات هذا اللقاء العلمي. وأسهم هذا الحضور النوعي في إغناء النقاش، من خلال طرح تساؤلات راهنة وتقديم مقترحات عملية تروم تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين وتجويد الأداء في مجالات السياحة والبيئة والتراث.
وفي التفاتة تقديرية ذات دلالة رمزية، شهدت فعاليات الندوة تكريم الأستاذ أبا صادقي، اعترافا بإسهاماته العلمية المتميزة وأبحاثه الميدانية الرصينة حول الواحات، والتي أسهمت في تعميق الفهم العلمي لهذا المكون البيئي والثقافي الحيوي، وتعزيز مكانته ضمن قضايا التنمية المستدامة بالجهة.
واختُتمت فعاليات هذا الحدث العلمي برفع برقية ولاء وإخلاص إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تجديدًا لأواصر الوفاء والتشبث بالعرش العلوي المجيد، وتأكيدًا على الانخراط المسؤول في مسار التنمية الشاملة التي يقودها جلالته.