
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في لحظة دولية دقيقة تتسم بتعدد بؤر التوتر وتعقيد التوازنات الجيوسياسية، تعود العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة الأحداث من جديد، ولكن هذه المرة في إطار ما يمكن وصفه بـ”هدنة غير مستقرة”، تحكمها ضرورات التهدئة أكثر مما تؤطرها اتفاقيات صلبة. هذه الهدنة، وإن بدت في ظاهرها خطوة نحو تقليص التصعيد، إلا أنها في العمق تحمل بذور انفجار محتمل، خاصة في ظل الحضور غير المباشر، ولكن المؤثر، لدولة إسرائيل كفاعل استراتيجي في معادلة التوازن الإقليمي.
إن تحليل هذه الوضعية يقتضي استحضار ثلاث مقاربات متكاملة: اقتصادية، قانونية، واجتماعية، وفق منهجية علمية رصينة تعتمد على تداخل المدارس الفكرية الحديثة في العلاقات الدولية.
من الناحية الاقتصادية، يمكن تفسير هذا التقارب الحذر بين واشنطن وطهران من خلال نظرية “توازن المصالح” (Balance of Interests)، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء ارتفاع أسعار الطاقة وتأمين استقرار الأسواق العالمية، خاصة في ظل الأزمات المتكررة المرتبطة بسلاسل التوريد والتضخم العالمي. في المقابل، تبحث إيران عن تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة عليها نتيجة العقوبات، واستعادة جزء من اندماجها في النظام المالي الدولي. هذا التلاقي الظرفي للمصالح يخلق ما يشبه “هدنة براغماتية”، لكنها تظل مرتبطة بعوامل خارجية متقلبة.
أما من الزاوية القانونية، فإن غياب إطار تعاقدي ملزم على غرار الاتفاق النووي الإيراني 2015 يجعل هذه التهدئة أقرب إلى تفاهمات سياسية ظرفية لا ترقى إلى مستوى الالتزامات الدولية. وهو ما يعيد طرح إشكالية “قوة الإلزام في القانون الدولي”، حيث تظل الإرادة السياسية للدول هي المحدد الرئيسي لاحترام أو خرق هذه التفاهمات. في هذا السياق، تبرز المدرسة الواقعية في القانون الدولي، التي تعتبر أن التوازنات السياسية تفوق في تأثيرها النصوص القانونية، وهو ما يفسر هشاشة أي اتفاق غير مؤطر قانونياً.
اجتماعياً، تعكس هذه الهدنة حالة من القلق الشعبي داخل المنطقة، حيث تعيش الشعوب تحت ضغط دائم لاحتمالات التصعيد العسكري، خاصة في مناطق النفوذ غير المباشر مثل العراق وسوريا ولبنان. وتؤكد نظرية “الأمن المجتمعي” أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات بين الدول، بل من خلال ضمان شعور الأفراد بالأمان والاستقرار، وهو ما لا يزال بعيد المنال في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
غير أن العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة يبقى الدور الإسرائيلي، الذي وإن لم يكن طرفاً مباشراً في أي تفاهم معلن، إلا أنه يشكل محدداً أساسياً في صياغة السياسات الأمريكية تجاه إيران. فإسرائيل تنظر إلى أي تقارب أمريكي-إيراني باعتباره تهديداً استراتيجياً لأمنها القومي، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. ومن هنا، فإنها تعتمد على مقاربة “الردع الوقائي”، التي قد تترجم إلى عمليات استخباراتية أو حتى ضربات استباقية، وهو ما يعيد خلط الأوراق ويهدد أي توازن قائم.
إن هذا التداخل بين المصالح الاقتصادية، والاعتبارات القانونية، والضغوط الاجتماعية، إضافة إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية، يجعل من هذه الهدنة حالة مؤقتة بطبيعتها، قابلة للانهيار في أي لحظة. فالعلاقات الدولية، كما تؤكد المدرسة الواقعية الجديدة، لا تعرف الاستقرار الدائم، بل تقوم على إدارة مستمرة للأزمات.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العالم اليوم لا يعيش مرحلة سلام بقدر ما يعيش مرحلة “تجميد للصراعات”، حيث يتم تأجيل المواجهة دون حل جذورها. وهو ما يفرض على المجتمع الدولي البحث عن مقاربات أكثر شمولية، تتجاوز الحلول الظرفية نحو بناء منظومة أمن جماعي حقيقي، قائمة على الثقة المتبادلة والالتزامات القانونية الملزمة.
وتبقى الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد توازن هش فوق أرضية متحركة، تتحكم فيها حسابات معقدة تتجاوز الأطراف المعلنة، لتشمل فاعلين إقليميين ودوليين، في مقدمتهم إسرائيل، مما يجعل مستقبل هذه التهدئة مفتوحاً على جميع السيناريوهات، من الانفراج الحذر إلى الانفجار المفاجئ.
