
اندلع في الآونة الأخيرة، نقاش ساخن بمدينة الرشيدية، عقب تداول فيديو نشره أحد المنعشين العقاريين يعرض فيه عقارا تبلغ مساحته 1770 مترا مربعا، يقع بالقرب من منتزه 3 مارس، بثمن يصل إلى 7000 درهم للمتر المربع الواحد، ويضم بناية وبئرا، كما يوجد في موقع مخصص للاستعمال السياحي. وقد أثار هذا العرض موجة واسعة من التفاعل والتساؤلات، خاصة في ظل المقارنة بين هذا السعر المرتفع والمعطيات المرتبطة بكيفية تفويت هذا العقار في وقت سابق، والتي تؤكد اقتناؤه إياه بثمن 300 درهم للمتر المربع الواحد.
تفاصيل تفويت عقار قرب مدارة واد الذهب وتكشف مسار الملف قضائيا
وفي هذا السياق، تشير معطيات صادرة عن جماعة الرشيدية، أن ملف هذا العقار، عرف مسارا إداريا وقضائيا طويلا امتد لسنوات، قبل أن ينتهي بتسوية نهائية بعد سلسلة من القرارات والأحكام القضائية التي حسمت في الخلاف القائم بين المستثمر ومجلس جماعة الرشيدية.
وقالت مصادر الجريدة، أن بداية هذا الملف تعود إلى تاريخ 23 يوليوز 2002، حين استفاد السيد مولاي امبارك الدريسي من بقعة أرضية تابعة لأراضي الجموع قصد إقامة مشروع استثماري، وذلك في إطار عقد كراء تم لاحقا إبرام ملحق له بتاريخ 29 نونبر 2007، وفي سياق تنزيل المشروع، حصل المعني بالأمر على رخصة البناء بتاريخ 2 مارس 2006.
وأشارت مصادرنا، أنه وفي سنة 2014، تم إدماج القطعة الأرضية المعنية ضمن الملك الجماعي الخاص، وذلك في إطار عملية التحديد التكميلي لخمسين هكتارا اقتنتها الجماعة، حيث أصبحت القطعة تحمل الرسم العقاري عدد 37969/14.
وأوضحت مصادر جريدة “الجهة لثامنة”، أن الملف عرف منعطفا جديدا خلال الدورة العادية لشهر يوليوز 2015، حين صادق المجلس الجماعي آنذاك على قرار يقضي بتفويت العقار لفائدة المستثمر بثمن 600 درهم للمتر المربع، رغم أن لجنة التقييم كانت قد حددت قيمة المتر المربع في 200 درهم فقط، مشيرة المصادر ذاتها، أن هذا القرار لم يلق قبول المعني بالأمر، الذي اختار اللجوء إلى القضاء الإداري، متمسكا بالثمن الذي حددته لجنة التقييم، وقد أصدرت المحكمة الإدارية حكما ابتدائيا بتاريخ 15 أبريل 2017 في الملف عدد 147/7110/16 (حكم رقم 173/7110/17)، يقضي بإلغاء القرار الجماعي القاضي بتحديد ثمن التفويت في 600 درهم للمتر المربع.
وأكدت مصادر الجريدة، أن المسار القضائي لم يتوقف عند هذا الحد، إذ أيدت محكمة الاستئناف الإدارية الحكم الابتدائي بموجب القرار عدد 5455 بتاريخ 12 دجنبر 2017 في الملف عدد 616/7205/2017، كما تقدمت الجماعة بطعن بالنقض، غير أن محكمة النقض رفضت الطلب بموجب القرار رقم 1376/1 بتاريخ 13 دجنبر 2018 في الملف الإداري عدد 2476/4/1/2018.
وفي تطور لاحق، صدر حكم قضائي يقضي بإتمام إجراءات البيع في الملف عدد 26/7112 بموجب الحكم عدد 1037112/2021 بتاريخ 3 يونيو 2021، وهو الحكم الذي تم تأييده استئنافيا، كما صدر حكم ابتدائي آخر تحت عدد 218/7112/2021 في الملف عدد 87/7112/2021 يقضي بأداء جماعة الرشيدية غرامة تهديدية عن كل يوم لفائدة المدعي بسبب الامتناع عن التنفيذ.
وأمام هذا الوضع، اتجه المجلس الجماعي خلال الدورة العادية لشهر ماي 2022 إلى البحث عن تسوية للملف، حيث صادق على مقرر يقضي بتفويت العقار بثمن 300 درهم للمتر المربع، وذلك في إطار تسوية النزاع وإبرام صلح بعد دراسة الملف من طرف اللجنة المؤقتة للمنازعات المحدثة بالمجلس.
وقد تم التأشير على قرار رئيس الجماعة المتعلق بهذه العملية من طرف الجهات المختصة بتاريخ 27 يونيو 2022، وبعد أداء مبلغ التفويت من طرف المستفيد وإبرام عقد البيع، حصل المعني بالأمر على رخصة المطابقة بتاريخ 22 فبراير 2023 بناء على شهادة المهندس المعماري المؤرخة في 1 فبراير 2023، قبل أن يحصل على شهادة الإبراء بتاريخ 9 مارس 2023.
وأكد بلاغ صادر عن مجلس جماعة الرشيدية، دعمه للاستثمار والمستثمرين الجادين، مع التشديد على رفض كل أشكال المضاربات العقارية، معتبرا أن الجدل المثار حول هذا الملف يأتي في سياق ما وصفه بمحاولات التشويش السياسي وتوظيف القضية لأغراض انتخابية ضيقة.
حزب العدالة والتنمية بالرشيدية يهاجم تدبير العقار ويطالب بفتح تحقيق في واقعة “المضاربة”
و دخلت الكتابة المحلية لحزب العدالة والتنمية بمدينة الرشيدية، على خط هذا الجدل، حيث أصدرت بيانا موجها إلى الرأي العام المحلي والوطني، يتضمن معطيات حول تسويق عقار جماعي كان مخصصا لمشروع استثماري سياحي، والذي تقول الهيئة الحزبية إنه تحول إلى موضوع مضاربة عقارية، بعد أن كان موضوع استثمار.
واستنكر الحزب بشدة إصدار بلاغ توضيحي يحمل ختم مؤسسة “المجلس الجماعي”، يتضمن مواقف سياسية وهجوما بعبارات قدحية تنهل من قاموس استئصالي معهود يعكس حالة من الارتباك الإداري والعجز عن تقديم أجوبة قانونية. ونعتبر أن تمرير هذه المواقف المأزومة وتوقيعها باسم المجلس دون تداول أو مصادقة من طرف أعضائه، يُعد “جبنا سياسيا” وخرقا سافرا للقانون، ويطرح سؤالا عريضا حول من يختطف مؤسسة الجماعة لتصريف أزماته التدبيرية.
و تساءل الحزب في بلاغ، حول ظروف تمكين مستفيد وصفه “بالمتخلف بشكل واضح عن انجاز مشروعه”، من وثائق إدارية “شهادة رفع اليد” لتحرير العقار من قيود دفتر التحملات، في مخالفة صريحة لهدف التفويت بالثمن الرمزي والمتمثل في تشجيع الاستثمار المنتج لفرص الشغل وتجويد المشهد العمراني، مضيفا أن شريط فيديو تسويقي (الذي سُحب لاحقاً بعد افتضاح الأمر) كشف “بشاعة هذا الريع” بحسب تعبير البلاغ، حيث عُرضت البقعة للبيع “عارية” – كما تظهر وكما تم وصفها في الفيديو – بسعر “7000 درهم للمتر المربع” بعد أن حصل عليها المعني بـ”300 درهم للمتر المربع”، باستثناء سور وغرفة يتيمة لا تكفي حتى لإيواء حارس. يقول البلاغ.
وطالب الحزب، في ختام بلاغه، والي الجهة وعامل اقليم الرشيدية، بالتدخل الحازم وإعمال مقتضيات المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات 113.14، لمواجهة هذا العبث الإداري وحماية الأمن القانوني والمؤسساتي للمدينة، داعيا سكان المدينة وقواها الحية إلى التحلي بمزيد من اليقظة المدنية، والانتباه للأصوات التي يتم توظيفها للتشويش وتغليط الساكنة، لتوفير غطاء مفضوح لجرائم الريع والمضاربات في الأملاك الجماعية.
وحسب معطيات غير رسمية، حصلت عليها الجريدة، فإن الاختلاف الجوهري بين الروايتين يتمثل في تكييف طبيعة المشروع الاستثماري موضوع الجدل. فبينما تؤكد المعطيات المتوصل بها أن المشروع كان في البدء عبارة عن مقهى، تذهب معطيات تتداولها معارضة الجماعة، إلى اعتباره فندقا.
هذا التباين ليس مجرد اختلاف في التوصيف، بل يترتب عنه آثار قانونية وتنظيمية مهمة، نظرا لاختلاف شروط الترخيص، وطبيعة الاستغلال، والمعايير التقنية المطلوبة لكل صنف من هذه المشاريع. فالمقهى، من حيث الأصل، لا يستلزم نفس البنية المعمارية أو التجهيزات التي يفرضها مشروع فندقي، خاصة فيما يتعلق بالغرف والمرافق الملحقة.