حفيظ كرومي يكتب … حين تجد الصحافة الجهوية نفسها في مواجهة “الكلاطة”

تردد، مؤخرا، في الوسط الإعلامي بجهة درعة تافيلالت، تعبير “غادي نجبد الكلاطة” في سياق العلاقة بين الصحافة وأحد الأشخاص النافذين سياسيا واقتصاديا، والذي ظهر حسب ما رافق هذا “التعبير”، أنه رد “كلامي” على شعور بـ”الضيق وعدم الارتياح من تعرض الصحافة أو اعتزامها كشف ما لا يراد له الكشف من طرف هذا الشخص النافذ”.

ويبدو أن انزعاج هذا “النافذ” الجهوي، من تطرق الصحافة الجهوية لعدد من الملفات هو طرف فيها، مرده إلى اعتقاد واقتناع ويقين مستقر لدى هذا “النافذ” بكون الصحافة لا يحق لها -بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف ديمقراطي أو قانوني أو أخلاقي- البحث وإثارة موضوع يتعلق بشخص له مسؤولية سياسية في مؤسسة جهوية منتخبة، أو له مشاريع عديدة على المستوى الجهوي.

إن هذا الشكل الجديد من الصحافة الذي عرفته مؤخرا جهة درعة تافيلالت، مقارنة مع السنوات الماضية، والحركية والتنوع والتعدد الذي يعرفه قطاع الاعلام والصحافة بالجهة؛ اضطر معه عدد ممن يمتلكون وسائل الإنتاج الاقتصادي أو وسائل التوجيه السياسي، إلى تبني خطابات موغلة في الكراهية وفي التحريض على التصفية-وإن كانت معنوية-، بل تجاوزتها إلى إنجاز الفعل، وإلى التشدد في تكراره، قصد الإضعاف والضعضعة.

هذا التمثل الذهني المستقر في عقولهم القاصرة، يختزل التصور الكامل للسلطة والتسلط، فيغدو “التهديد” من قبيل عبارة “غادي نجبد الكلاطة”، مرادفا للرغبة الجامحة في الردع، وإشهار أدوات القوة، وتفعيل شرع اليد والعقاب عند تجاوز حدود مرسومة في جمجمة صاحبنا “النافذ”، بما يجعلنا أمام منطق يعتبر المسؤول المنتخب العمومي منطقة محظورة الحديث عنها، ويحول الفاعل الاقتصادي المرتبط بالسلطة بشكل أو بآخر، إلى كيان فوق المساءلة.

حين يتلفظ فاعل “نافذ” بعبارة من قبيل “غادي نجبد الكلاطة”، فإن النقاش لا يتوقف عند طرافة التعبير أو شعبيته اللغوية، بل ينتقل مباشرة إلى مجال التأويل السياسي والقانوني، ذلك أن بعض الكلمات، حين تصدر عن أشخاص عاديين، قد تفهم باعتبارها انفعالا عابرا، لكن حين تصدر عن شخص يشاع أنه ذو “نفوذ سياسي أو اقتصادي”، فإنها تكتسب وزنا مختلفا.

وترادف كلمة “الكلاطة” شعبيا “البندقية”، بينما تعود معجميا إلى المعجم الاسباني، التي تعني CULATA أي عقب البندقية أو “مقبضها”، وتحيل إلى السلطة حين تعجز عن الاقناع، فتستدعي الترهيب والتخويف، وحين ترفع في وجه الصحافة، فالأمر يعني أن بعض الفاعلين ينظرون إلى الإعلام باعتباره ملحقا يجب تطويعه وترويضه وتأديبه، لا سلطة رقابية مستقلة ومؤسسة لها فضاء خاص، فإذا كان هذا “النافذ” واثقا من نزاهته، فلماذا يحتاج إلى “الكلاطة”؟ يكفيه ملف جامع، وموثق، ومحامي، ودعوى قضائية يرفعها ضد “ظالمه” المفترض، ليقتص حقه.

ونستعمل هذه الكلمة في تداولنا الشعبي المغربي، بوصفها استعارة عن التهديد بالعقاب والردع والتأديب و “إرجاع الأمور إلى نصابها” بمنطق القوة، وفي هذا المعنى، فهي تشير إلى منظومة كاملة من الوسائل غير المعلنة التي تستخدم لإسكات الأصوات المزعجة، فتتخذ أشكالا متعددة في سياق قولها من طرف هذا “النافذ” منها “الضغط الاقتصادي عبر قطع الإعلانات، والتضييق على الموارد، والضغط الإداري باستغلال النفوذ داخل مؤسسات الدولة، والضغط القضائي التعسفي عبر جر الخصوم واستنزافهم وتحريض المسؤولين عليهم، وهلم جرا.

إن مونتسكيو، يعتبر في فلسفته حول الفصل بين السلط، أن السلطة الإعلامية تمثل آلية ضبط للسلطة السياسية والاقتصادية، ما يجعل أي محاولة لتقييدها محل إشكال، وأن أي شخص يمتلك سلطة ما، يميل بالطبيعة الى إساءة استخدامها، ويمضي بها إلى أن يجد حدوداً؛ ومن بين هذه الحدود السلطة الرابعة صاحبة الجلالة، حيث إن الأنظمة الديمقراطية تفرض على المسؤول المنتخب أن يكتسب واجبا إضافيا في الشفافية وتحري الصدق والنزاهة وتبرير القرارات، وتنزع عنه الحصانة بجميع أشكالها. كما أن من يجمع بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية، يصبح موضوعا مشروعا للمتابعة الإعلامية، بسبب إثارة المال والقرار والسلطة لأسئلة جدية تتعلق بالمصلحة العامة وتضارب المصالح.

إلا أن “النافذ” الجهوي في سياقنا هنا، ينعتق من كل سلطة للدولة، فيعتبر المال حاجزا لكل إجراء إداري أو قضائي قد ينزل فوقه، ويعتبر النفوذ وسيلة لإسكات و”إلجام” الصحافة، ومنصبه درعا يقيه من أي ضوء ساطع قد يكشف زلاته. بينما الصحافة تصبح في نظره مطالبة بالصمت احتراما “لمقام عزيزنا النافذ”.

إن الصحفي، حين يشتغل على إحدى الموضوعات والملفات المتعلقة بتدبير الشأن العام، فهو لا يقوم بعمل عدائي أو سلبي أو انتقامي أو هجومي أو مصلحي، بل يؤدي وظيفة اجتماعية مركزية في كل مجتمع ديمقراطي، وبالتبع، فإن الحماية واجبة من طرف سلط الدولة، ويجب أن يُضمن له الولوج إلى المعلومات، ويمنع عنه الترهيب والمتابعات الكيدية، وتحمى مصادره، وتضمن له المنافسة العادلة في سوق الإعلام.

ويبرِز “تهديد الصحافة الجهوية بإخراج الكلاطة” سؤالا احتماليا له قدر من الجدية والخطورة، ماذا لو كان المقصود تهديدا فعليا بالعنف الجسدي؟ وماذا لو كان هذا العنف عبارة عن اعتزام بالتصفية الجسدية باستخدام “الكلاطة” بما هي سلاح ناري يردي الإنسان صريعا في لحظة واحدة؟ بمعنى، ماذا لو كان المتحدث أو صاحب التهديد يعني امتلاكه أداةً ووسيلة يمكن أن تستعمل لتصفية الأعداء خصوصا من “الصحافة”؟ فهنا نخرج من البلاغة الشعبية، وندخل مجال السلامة الصحية وسيادة القانون، لأن التلويح بالعنف، خصوصا إذا صدر عن صاحب نفوذ، لا يقتصر فهمه على كونه مجرد كلام لحظي ساعة غضب، بل يمتد إلى كونه إشارة لقابلية استعمال القوة خارج الإطار القانوني.

فمن منظور دولة الحق والقانون، حين تتضمن التصريحات العمومية أو الاتصالات الهاتفية، أو الرسائل النصية أو الكلمات، إيحاءات بالعنف والتصفية واستعمال القوة، ضد صحافيين أو خصوم مفترضين، وإذا ما توفرت مؤشرات جدية، فإن فتح تحقيق استباقي يصبح إجراءً عقلانيا لحماية الأشخاص والمؤسسات، ويمنع وقوع الكارثة لا قدر الله.

ويبقى الفاعل السياسي والاقتصادي الذي يثق في مشروعية ونزاهة أفعاله وقراراته ومشاريعه، يرد بالوثائق والأرقام، بينما من يرد “بالتهديد بإخراج الكلاطة” يمنح الرأي العام سببا إضافيا للشك في مصدر ثروته، وأساس وضعيته “المفشوشة”.

Exit mobile version