
تشهد أشغال التهيئة الجارية بموقع سجلماسة الأثري موجة من الانتقادات والاستياء في أوساط متتبعين للشأن المحلي ومهتمين بالتراث، بعدما أثارت صور متداولة من داخل الورش جدلاً واسعاً بشأن طبيعة التدخلات المنجزة، ومدى انسجامها مع المعايير المعتمدة في صيانة المواقع التاريخية ذات القيمة الحضارية الكبرى.
ويعد موقع سجلماسة من أبرز الحواضر التاريخية بالمغرب، لما يمثله من رمزية حضارية وتجارية ارتبطت بتاريخ المنطقة وامتدادها الإفريقي، وهو ما يجعل أي مشروع يهم ترميمه أو تثمينه محط اهتمام واسع من قبل الباحثين والفاعلين المدنيين وساكنة المنطقة.
وتتركز أبرز الملاحظات المثارة حول الكلفة المالية للمشروع، التي تفيد المعطيات المتداولة بأنها بلغت نحو 16 مليار سنتيم لتسقيف مساحة تقدر بحوالي 3300 متر مربع من الموقع الأثري. ويرى منتقدون أن هذه الأرقام تستوجب توضيحات دقيقة بشأن طبيعة الأشغال المنجزة، وكلفة المواد المستعملة، والمعايير التقنية المعتمدة في إنجاز المشروع.
كما أثارت الصور المنشورة تساؤلات إضافية حول وسائل التنفيذ المستخدمة داخل الموقع، حيث تظهر آليات ثقيلة وجرافات ورافعات وشاحنات، إلى جانب أعمدة فولاذية سميكة وهياكل إسمنتية، وهو ما اعتبره مهتمون بالشأن التراثي تدخلاً أقرب إلى ورش بناء حديث، بدل مقاربة دقيقة تراعي هشاشة البقايا الأثرية وخصوصية الموقع التاريخية.
ومن الناحية الجمالية والتراثية، يرى عدد من المهتمين أن البنيات الجديدة لا تنسجم مع الطابع العمراني الأصيل لسجلماسة، التي شُيدت تاريخياً بمواد محلية وتقنيات تقليدية قائمة على التراب المدكوك والبناء الواحي. واعتبر هؤلاء أن إدخال عناصر إسمنتية ومعدنية ضخمة إلى قلب الموقع من شأنه التأثير على المشهد البصري العام، وإضعاف العلاقة بين الأثر وبيئته الأصلية.
في المقابل، يؤكد مختصون في مجال صيانة التراث أن التدخل في المواقع الأثرية يقتضي اعتماد حلول هندسية متوازنة تجمع بين الحماية من عوامل التعرية والانهيار، وبين احترام الأصالة التاريخية والهوية المعمارية للمكان، مع الحرص على أن تكون الإضافات الحديثة محدودة وقابلة للإزالة ولا تطغى على العناصر الأصلية.
ويطالب فاعلون محليون وهيئات مهتمة بالتراث بفتح نقاش عمومي حول المشروع، ونشر المعطيات التقنية والمالية المرتبطة به، مع إشراك خبراء الآثار والترميم والعمارة التقليدية في تقييم الأشغال المنجزة، بما يضمن حماية هذا الموروث التاريخي وصونه للأجيال المقبلة.
ويبقى موقع سجلماسة، بما يحمله من ذاكرة حضارية عريقة، في حاجة إلى رؤية متكاملة تجعل من الترميم أداة لإحياء التاريخ لا سبباً في طمس معالمه، ومن التثمين مدخلاً للتنمية الثقافية والسياحية، لا مجرد ورش تقني يثير الجدل والأسئلة.