
علمت جريدة “الجهة الثامنة”، من مصادر مطلعة، أن تقارير حديثة أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية كشفت عن اختلالات جسيمة في تدبير عدد من الجماعات الترابية بمختلف جهات المملكة.
وأكدت مصادر الجريدة أن هذه التقارير، التي وصفت بـ”السوداء”، رصدت خروقات مالية وإدارية خطيرة من شأنها أن تجر المتورطين فيها إلى المتابعة القانونية، في ظل مؤشرات واضحة على سوء الحكامة وضعف آليات المراقبة الداخلية.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أن التحقيقات شملت أيضا جماعات تنتمي لأقاليم الرشيدية وتنغير وميدلت، حيث تم تسجيل ملاحظات مماثلة تهم تدبير الموارد المالية وإنجاز المشاريع المحلية.
وأضافت مصادرنا أن من أبرز الاختلالات التي تم الوقوف عليها، تلك المرتبطة بضعف تدبير المداخيل الجماعية، سواء من حيث غياب الصرامة في استخلاص الرسوم أو منح إعفاءات غير مبررة لفائدة بعض الملزمين، فضلاً عن تحصيل مداخيل خارج الإطار القانوني، والتقاعس في استخلاص مستحقات مهمة تشمل واجبات الكراء ورسوم المقالع والتجزئات والأنشطة التجارية المختلفة، مما أدى إلى تفاقم ظاهرة “الباقي استخلاصه”.
وذكرت مصادر الجريدة أن لجان التفتيش سجلت كذلك تلاعبات في عمليات الاستخلاص، من بينها عدم إصدار أوامر بتحصيل ديون عمومية وفق ما تقتضيه النصوص القانونية الجاري بها العمل، الأمر الذي يهدد بسقوط جزء من هذه المستحقات في التقادم، إلى جانب عدم تفعيل مسطرة الفرض التلقائي في حق الملزمين غير المصرحين أو المتخلفين عن الأداء، وكذا غياب التنسيق مع المصالح الضريبية لإحصاء الوعاء الجبائي بشكل دقيق.
وفي ما يتعلق بتدبير النفقات، أبرزت التقارير وجود اختلالات بنيوية همت تنفيذ المصاريف العمومية، حيث تم تسجيل إنجاز مشاريع دون دراسات تقنية مسبقة، إلى جانب خروقات في مساطر الصفقات العمومية، وعدم احترام قواعد المحاسبة، سواء من حيث مسك السجلات أو اعتماد المحاسبة المادية، فضلاً عن سوء تدبير الممتلكات الجماعية، خاصة ما يتعلق بحظيرة السيارات والمعدات الموضوعة بالمخازن.
كما وقفت المفتشية على تجاوزات في تدبير الشأن الإداري، من بينها تدخل نواب رؤساء الجماعات في اختصاصات تدبيرية دون توفرهم على تفويض قانوني، وتوقيع وثائق رسمية خارج الإطار القانوني، وهو ما يعكس خللاً في احترام قواعد الحكامة المحلية.
وأظهرت مهام التفتيش أيضا اختلالات في مجال الصفقات العمومية، من خلال أداء مستحقات مقابل خدمات أو أشغال غير منجزة أو منجزة بشكل جزئي، وعدم احترام دفاتر التحملات، والاعتماد المتكرر على عدد محدود من الموردين، إلى جانب تسوية نفقات بطرق غير قانونية، وتسليم مشاريع رغم عدم مطابقتها للمواصفات التقنية المحددة.
أما في قطاع التعمير، فقد سجلت التقارير خروقات متعددة، أبرزها منح رخص بناء فوق أراضٍ ناتجة عن تجزيئات غير قانونية، وتسليم رخص ربط بشبكات الماء والكهرباء دون استيفاء الشروط القانونية، بالإضافة إلى إصدار شواهد إدارية غير قانونية لتسهيل بيع أو تحفيظ أراضٍ، ومنح رخص من طرف جهات غير مختصة قانونا.
كما تم رصد مخالفات تتعلق بعدم احترام تصاميم التهيئة، ومنح تراخيص في مناطق محظورة البناء، فضلا عن إدخال تغييرات غير قانونية على مشاريع مرخصة، ومنح رخص سكن لبنايات غير مطابقة، بل وتوثيق عقود عرفية مرتبطة بتقسيمات غير قانونية.
وفي المقابل، أفادت مصادر الجريدة أن المديرية العامة للجماعات الترابية تعمل على تدارك هذه الاختلالات من خلال برامج لإصلاح المنظومة الجبائية المحلية، حيث أعدت دراسات ميدانية كشفت عن وجود إمكانات جبائية غير مستغلة، يمكن تعبئتها عبر تحسين طرق التدبير وتوسيع الوعاء الضريبي وتصفية المتأخرات.
وأكدت مصادرنا أن وزارة الداخلية شرعت في تنفيذ مجموعة من التدابير الرامية إلى تأهيل الإدارة الجبائية المحلية، من خلال تعزيز الموارد البشرية والتقنية، وتطوير التكوين، وتحفيز العاملين في هذا المجال، إلى جانب إعداد إطار شراكة مع وزارة المالية لتحسين مردودية الجبايات المحلية وضمان حكامة أفضل في تدبير المال العام.