
يأتي نشر هذه الوثائق ضمن سلسلة من الأرشيفات التي توثق لفترة تولي بوشعاب يحضيه مسؤولية ولاية جهة درعة تافيلالت، وهي مرحلة طبعتها توترات مؤسساتية وأسئلة حقيقية حول طبيعة تدخل السلطة الإدارية وحدود علاقتها بالمؤسسات المنتخبة. وإعادة نشر هذه المراسلات اليوم لا تهدف فقط إلى استحضار وقائع الماضي، بل إلى تمكين الرأي العام من الاطلاع على كيفية تدبير بعض اللحظات الحرجة، وكيف كانت الإدارة الترابية تُقيم الوضع وتبرر تدخلاتها على الأرض. فتوثيق هذه المرحلة يظل جزءًا من واجب حفظ الذاكرة المؤسساتية، وفتح نقاش مشروع حول ممارسات التدبير الترابي، في سياق البحث عن وضوح أكبر في الأدوار والمسؤوليات.
جريدة الجهة الثامنة، تنشر اليوم مضامين وثيقة من الأرشيف الإداري لمرحلة تولي بوشعاب يحضيه ولاية جهة درعة تافيلالت، حصلت عليها عبر مصادر خاصة، تكشف جانبا من كيفية تدبير لحظة مؤسساتية متوترة داخل مجلس الجهة، هذه المراسلة الرسمية، الموجهة إلى وزارة الداخلية، توثق ليس فقط وقائع أزمة مجلس الجهة، و إنما عقلية السلطة الولائية في علاقتها مع أكبر وحدة تعنى بتنمية الجهة.
و يبدو أن جهة درعة تافيلالت قد حسمت جميع معاركها التنموية الكبرى، من فك العزلة وتوفير الماء والكهرباء، ليتفرغ السيد الوالي السابق بوشعاب يحضيه، في مراسلته رقم 8437 إلى ممارسة هواية التدقيق الهندسي في “غلاف محفظة” الوثائق الخاصة بدورة مجلس الجهة. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن قرارات مصيرية تخرجه من دائرة التهميش، خرج السيد الوالي بدرس بليغ في “المسطرة والمنقلة”، معبرا عن “أسفه الشديد” ليس لتعثر مشروع أو ضياع ميزانية، بل لأن حجم خط “المملكة المغربية” بدا له أصغر من حجم خط “مجلس الجهة” على غلاف المحفظة.
إن هذه المراسلة السريالية تعكس قمة “التفرغ الإداري” لدى سلطات الوصاية، التي تركت جوهر الملفات وانهمكت في فحص “المسافات والقياسات” فوق أغلفة جلدية لا تسمن ولا تغني من جوع. فالسيد الوالي، الذي لم يجد حرجا في استخدام لغة “الأصل والفرع” لإعطاء دروس في مجال ما، يبدو أنه يرى هيبة الدولة محصورة في “مقياس طبع” الورق، متناسيا أن الهيبة الحقيقية تبنى فوق الأرض لا فوق أغلفة المحافظ التي انتهى بها المطاف “مطرودة” من الولاية لأن خطها “نحيف” ولا يليق بمقام الوالي.
وتتار سخرية سوداء هنا، حول التناقض الصارخ في منطق “الترشيد” الذي نادت به المراسلة؛ فبينما يُطالب السيد الوالي بتقليص النفقات تماشيا مع دوريات وزير الداخلية، يجد المتسع من الوقت (والجهد الإداري) لإعادة محفظة كاملة بمرفقاتها، مما يستوجب إهدار المزيد من الوقت والمال لإعادة طبعها وفق “المقاسات الولائية” المطلوبة، فهل الترشيد يعني التدقيق في “سنتمترات” العناوين بينما مر إهدار الوقود من طرف رئيس قسمه المدلل، وغيرها من مظاهر البذخ دون أن تثير لدى سيادته نفس “الحساسية” تجاه تبديد المال العام؟
لقد تحول “غلاف المحفظة” في نظر الوالي إلى قضية سيادية تستنفر المديرية العامة للشؤون الداخلية ومديرية الدراسات والتحاليل، وكأن الجهة مهددة بالانفصال بسبب “خط” (Font) غير متوازن. إن انشغال والي الجهة بهذه “القشور” الإدارية في مراسلة رسمية موجهة لرئيس الجهة، يكشف عن هوة سحيقة بين انشغالات الإدارة وبين واقع الساكنة؛ فالمواطن الذي يقطع الكيلومترات بحثا عن قطرة ماء، لا يهمه إن كان خط “المملكة” كبيرا أو صغيرا، بقدر ما يهمه أن يجد أثر هذه المملكة في تنمية حقيقية تلامس حياته اليومية.
بهذا المنطق، تصبح “المحفظة” أهم من الوثائق التي بداخلها، ويصبح “الشكل” مقدسا والجوهر منسيا، إنها عبقرية الإدارة التي تقيس النجاح بمدى قدرتها على فرض “التسلسل الطبيعي للقياسات” فوق الورق، بينما تظل قياسات الفقر والبطالة والخصاص في الجهة خارج اهتمامات المجهر الولائي. فبدلا من أن تُسخر مديريات “الدراسات والتحاليل” وقتها لتحليل أسباب تعثر المشاريع بجهة درعة تافيلالت، وُجهت طاقاتها لتحليل “أحجام الخطوط” وضمان عدم تغول “الفرع” على “الأصل” في مطبعة.
ستبقى هذه المراسلة “تحفة” في تاريخ العبث الإداري، وشاهدا على زمن يُحاسب فيه المسؤول على “مقياس الطبع” ويكافأ فيه على “وسائل الراحة” الشخصية المستمدة من جيوب الساكنة. ففي جهة درعة تافيلالت، قد لا تجد طريقا معبدا أو مستشفى مجهزا، ولكن كن مطمئنا، فالمحافظ الإدارية هناك تخضع لأدق معايير “الطول والعرض”، لضمان أن تظل هيبة الإدارة مصونة.. على الأقل فوق جلود المحافظ المرفوضة.
هذا نص المراسلة :
وزارة الداخلية
ولاية جهة درعة تافيلالت
عمالة اقليم الرشيدية
الكتابة العامـة
قسم التعاون
8437 والي جهة درعة-تافيلالت
وعامل إقليم الرشيدية
إلى
السيد رئيس مجلس جهة درعة-تافيلالت
= الرشيدية =
الموضوع: غلاف محفظة وثائق الدورة العادية لشهر أكتوبر 2019 ، لمجلس جهة درعة-تافيلالت.
المرجع : كتابي عدد 4523 بتاريخ 03 يوليوز 2019.
سـلام تـام بوجـود مولانـا الإمـام
وبعد، وعلاقة بالموضوع والمرجع المشار إليهما أعلاه، يؤسفني أن أعيد إليكم المحفظة المتضمنة لوثائق الدورة العادية لمجلسكم الموقر لشهر أكتوبر 2019، وذلك لكون غلاف المحفظة المذكورة لا يشير إلى التسلسل المؤسساتي الطبيعي كما تمت الإشارة إلى ذلك بكتابي المموء إليه بالمرجع طرته.
كما يؤسفني أن أثير انتباهكم إلى المقياس المتبع من حيث الطبع، والذي لا ينم عن دلالة احترام التسلسل الطبيعي للقياسات التي تتبع في ابراز الأصل دون الفرع، وذلك في كل المطبوعات الدولية والوطنية، حيث أن طبعة المحفظة المذكورة، خصصت مقياسا أصغر حجما بكثير للمملكة المغربية الأصل، من حجم مجلس جهة درعة-تافيلالت الذي ليس إلا فرعا من مؤسسات الدولة.
وبناء عليه، أطلب منكم دعوة الساهرين لديكم على هذه المطبوعات أن يحترموا التسلسل الإداري والأحجام المتبعة في ابراز الأصول والفروع.
كما أطلب منكم بنفس المناسبة، ترشيد النفقات المتعلقة بتهييئ وإعداد ملف دورات مجلس الجهة، وذلك تماشيا مع التوجيهات الواردة في دورية السيد وزير الداخلية عدد F/3788 بتاريخ 01 أكتوبر 2019، موضوع ارساليتي عدد 8186 بتاريخ 03 أكتوبر 2019، والمتعلقة بإعداد وتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية برسم سنة 2020.
و الســـــــــــــــــــــــــــــــــــلام الوالــــي
المرفقات
– المحفظة المتضمنة لوثائق الدورة العادية لمجلس الجهة لشهر أكتوبر 2019.
نسخة موجهة إلى السيد وزير الداخلية
– المديرية العامة للشؤون الداخلية
مديرية الدراسات والتحاليل
– المديرية العامة للجماعات المحلية
مديرية الشؤون القانونية والدراسات والتوثيق والتعاون