عمود الجهة 8 ..”شرجم” : نهاية وخز الضمير وبداية وخز الجيب

 

كلما زرت مستشفى عموميا أو مصحة خصوصية، و رأيت حالة المرضى و مرافقيهم ، تذكرت ما ترسخ في ذاكرتي عن ذلك الطبيب في بداية التسعينيات ببودنيب، لما أدخل إلى قاعة العلاج التي كنت فيها، سيدة رفقة طفلها الصغير، معنفة من قبل زوجها، فبعد أن أعطاها الأسبقية في العلاج، طلبت منه أن يسلمها شهادة طبية للادلاء بها عند الحاجة، و كانت المرأة حين كان الطبيب يحرر الشهادة، تفك عقدة في منديلها فحررت منها ورقة نقدية من فئة خمسين درهما كانت ” معتقلة ” بعناية فائقة لحاجة فوق الجوع و العطش و البرد، فمدتها للطبيب قبل أن يختمها بطابعه الخاص، فنظر الطبيب إلى طفلها الصغير الذي كان يرتدي حذاء مطاطيا، فأخرج من جيبه ورقة نقدية مماثلة و سلمهما للمرأة في استحياء و قال لها :

– اشتري لابنك الحليب .

و في غضون الأسبوع الفارط رافقت سيدة في خريف العمر كان أنفها ينزف بلا توقف إلى مستشفى الإمير سلطان، فبعد أن قدم لها الطبيب المختص علاجا أوليا، طلب منها أن تعود بعد يومين لتكوي الشريان الأنفي، و بعد ساعات سيعود النزيف بشكل أقوى، فتحملها الأسرة على عجل إلى مصحة خصوصية، فيكوي نفس الطبيب الشريان في دقائق معدودات، مقابل 2000 درهم .

فسألت صديقا لي و نحن نناقش ما تشهده القيم من انحدار في بلادنا :

– ما الفرق بين طبيب و طبيب ؟

و جاء الجواب :

– الفرق هو الفرق بين طبيب أطره الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، و طبيب أطره الفراغ .

و أضاف : و لماذا هذا الطبيب لما يمارس المهنة في دولة أروبية يرتفع مؤشر انسانيته، و لما يمارسها في المغرب يرتفع مؤشر جشعيته ؟

و سكتنا و شرد كل واحد يفكر في الضمير الذي انتهى وخزه ليبدأ وخز الجيب، و ما رأى من ينبغي أن يرى، في ذلك من عيب .

 

 

Exit mobile version