
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
أصبحت الخدمات البنكية الإلكترونية من أبرز مظاهر التحول الرقمي الذي يشهده العالم المعاصر، حيث انتقلت العمليات البنكية من الفضاء التقليدي إلى فضاء رقمي مفتوح يتيح للزبناء إجراء التحويلات والسحب والأداء عن بعد بكل سهولة. غير أن هذا التطور رافقته مخاطر متزايدة مرتبطة بالقرصنة المعلوماتية والجرائم الإلكترونية، الأمر الذي أفرز إشكالات قانونية جديدة تتعلق بتحديد المسؤولية بين المؤسسة البنكية والزبون عند وقوع اختراقات أو استعمالات غير مشروعة للبطاقات البنكية والحسابات المصرفية.
وفي هذا السياق، يكتسي قرار محكمة النقض المغربية عدد 372 الصادر بتاريخ 27 يوليوز 2017 في الملف التجاري عدد 2016/1/3/1356 أهمية خاصة، باعتباره من القرارات القضائية المرجعية التي أرست توجهاً قضائياً متقدماً في مجال حماية المستهلك البنكي وتوزيع المسؤولية الناشئة عن الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالبطاقات البنكية.
وتتلخص وقائع القضية في تعرض زبون لعمليات سحب غير مشروعة من حسابه البنكي بواسطة بطاقته البنكية، رغم تسجيله تعرضاً لدى المؤسسة البنكية بشأن اختراق أو قرصنة طالت حسابه. وقد استمرت عمليات السحب بعد تسجيل التعرض، مما دفعه إلى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بإرجاع المبالغ المسحوبة وتعويضه عن الضرر اللاحق به.
وقد دفعت المؤسسة البنكية بأن الزبون يتحمل المسؤولية بحكم أن البطاقة البنكية مؤمنة برقم سري لا يعلمه سوى صاحبها، كما تمسكت بمقتضيات القوة القاهرة وباحتمال وجود تقصير من الزبون في المحافظة على البطاقة أو الرقم السري. غير أن القضاء التجاري، ثم محكمة النقض، اتجها إلى تحميل المؤسسة البنكية مسؤولية استمرار عمليات السحب بعد تسجيل التعرض، معتبرين أن واجب الحماية والأمن المعلوماتي يقع أساساً على عاتق البنك باعتباره المهني المتخصص وصاحب وسائل الرقابة التقنية.
ويبرز من خلال هذا القرار أن القضاء المغربي تبنى مقاربة حديثة تتماشى مع التطورات التكنولوجية، إذ اعتبر أن الجرائم الإلكترونية والقرصنة المعلوماتية أصبحت من المخاطر المتوقعة في النشاط البنكي الحديث، وأن البنك لا يمكنه التمسك بالقوة القاهرة للتنصل من مسؤوليته ما دام الأمر يتعلق بأخطار تقنية يفترض فيه توقعها واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لمواجهتها.
ومن الناحية القانونية، فإن القرار يكرس مبدأ مهماً مفاده أن العلاقة بين البنك والزبون لا تقتصر على تنفيذ العمليات المالية فحسب، بل تشمل أيضاً التزاماً بالأمن والحماية المعلوماتية. فالمؤسسة البنكية ملزمة بتوفير أنظمة معلوماتية فعالة وآليات متطورة لرصد العمليات المشبوهة والتدخل الفوري عند الإبلاغ عن أي اختراق أو استعمال غير مشروع للبطاقات البنكية. ويُعد هذا الالتزام امتداداً لواجب حسن النية والأمانة المهنية المنصوص عليهما في قانون الالتزامات والعقود وفي التشريعات البنكية الحديثة.
ومن الزاوية الاقتصادية، يعكس القرار أهمية الثقة باعتبارها الرأسمال الحقيقي للقطاع البنكي. فالبنوك لا تبيع الأموال فقط، بل تبيع أيضاً الثقة والأمان. وكل إخلال بمنظومة الحماية الرقمية ينعكس مباشرة على استقرار المعاملات المالية وعلى توجه الأفراد والمقاولات نحو استعمال الوسائل الإلكترونية. لذلك فإن تعزيز الأمن السيبراني لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية لضمان استدامة النظام المالي.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن القرار ينسجم مع التوجهات الحديثة لحماية المستهلك المالي، خاصة في ظل اتساع استعمال التطبيقات البنكية والبطاقات الذكية والتجارة الإلكترونية. فالزبون العادي لا يمتلك عادة الإمكانيات التقنية أو الخبرة المعلوماتية التي تخوله مواجهة شبكات القرصنة الدولية، في حين تتوفر المؤسسات البنكية على الوسائل البشرية والتقنية والقانونية اللازمة لرصد المخاطر والتصدي لها. ومن ثم فإن تحميل البنك جانباً مهماً من المسؤولية ينسجم مع قواعد العدالة التعاقدية والتوازن بين أطراف العلاقة البنكية.
كما ينسجم هذا التوجه القضائي مع الممارسات الدولية التي أصبحت تعتمد على أنظمة المصادقة المتعددة، والتنبيهات الفورية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد العمليات غير الاعتيادية، إضافة إلى آليات التعويض السريع للضحايا عند ثبوت الاختراق أو الاحتيال الإلكتروني. وقد أصبحت هذه المعايير جزءاً من منظومة الحكامة الرقمية التي تفرضها السلطات الرقابية المالية عبر العالم.
إن قرار محكمة النقض موضوع الدراسة يمثل رسالة واضحة إلى المؤسسات البنكية مفادها أن التطور التكنولوجي يجب أن يوازيه تطور مماثل في أنظمة الحماية والأمن المعلوماتي، وأن مسؤولية البنك لا تتوقف عند إصدار البطاقة البنكية أو فتح الحساب، بل تمتد إلى ضمان سلامة المنظومة التقنية التي تدير العمليات المالية للزبناء. كما يؤكد أن حماية الأموال المودعة في المؤسسات البنكية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحق في الأمن الرقمي، وهو حق يتعاظم دوره مع تسارع التحول الرقمي الذي يشهده المغرب والعالم.
وبذلك يشكل هذا القرار إحدى اللبنات الأساسية في بناء اجتهاد قضائي مغربي حديث في مجال المسؤولية البنكية والجرائم الإلكترونية، ويعزز مكانة القضاء كضامن للتوازن بين التطور التكنولوجي وحماية الحقوق المالية للأفراد، بما يرسخ الثقة في المنظومة البنكية ويشجع على مواصلة مسار الرقمنة المالية في إطار من الأمن القانوني والتقني.
