
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية أو أداة مساعدة، بل أصبح عاملاً حاسماً في تعزيز التنافسية الاقتصادية وتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات. وفي ظل هذا التحول المتسارع، تجد المقاولات المغربية نفسها أمام فرصة تاريخية للاستفادة من هذه التكنولوجيا، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات قانونية وتنظيمية متزايدة، خاصة مع دخول تشريعات دولية جديدة حيز التنفيذ، وعلى رأسها القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي (EU AI Act).
لقد أصبحت الأسواق العالمية، خصوصاً السوق الأوروبية، أكثر حساسية تجاه الجوانب القانونية والأخلاقية المرتبطة باستعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالشركات التي تطور أو تستعمل أو تسوق حلولاً تعتمد على الذكاء الاصطناعي داخل الاتحاد الأوروبي أصبحت مطالبة بالامتثال لمجموعة من القواعد الصارمة التي تهدف إلى حماية الحقوق الأساسية للأفراد وضمان الشفافية والأمن الرقمي.
ولا يقتصر تأثير هذه التشريعات على الشركات الأوروبية فقط، بل يمتد إلى كل المقاولات الأجنبية التي تستهدف السوق الأوروبية أو تقدم خدماتها لعملاء داخلها، بما في ذلك الشركات المغربية الناشئة ومكاتب الدراسات ومقاولات البرمجة والتطوير الرقمي ومراكز البحث والابتكار. فالعالم الرقمي لم يعد يعترف بالحدود الجغرافية التقليدية، وأي خدمة إلكترونية يمكن أن تصبح خاضعة لقوانين دول أخرى بمجرد استهدافها لمستخدمي تلك الدول.
وتكمن أهمية قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في اعتماده مقاربة قائمة على تقييم المخاطر. فهناك أنظمة تعتبر ذات مخاطر غير مقبولة ويتم حظرها، وأنظمة عالية المخاطر تخضع لمتطلبات صارمة، وأنظمة محدودة المخاطر تلتزم بقواعد الشفافية والإفصاح. ويشمل ذلك ضرورة توثيق الخوارزميات، وضمان جودة البيانات المستعملة في التدريب، وإمكانية تتبع القرارات الآلية، وتوفير مستويات مناسبة من الحماية والأمن السيبراني.
بالنسبة للمقاولات المغربية، فإن هذا التحول يفرض تغييراً جذرياً في طريقة التفكير. فنجاح أي مشروع قائم على الذكاء الاصطناعي لن يقاس فقط بمدى كفاءة الخوارزمية أو دقة النتائج التي تقدمها، بل أيضاً بمدى احترامه للقوانين والمعايير التنظيمية ومتطلبات حماية المعطيات الشخصية وحقوق الملكية الفكرية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإطار القانوني الوطني المرتبط بحماية المعطيات الشخصية والأمن المعلوماتي والمعاملات الإلكترونية. فالمقاولة التي ترغب في تطوير حلول ذكية أو تسويقها يجب أن تجعل الامتثال القانوني جزءاً من استراتيجية التطوير منذ المراحل الأولى للمشروع، بدل اعتباره إجراءً شكلياً يتم التفكير فيه بعد إطلاق المنتج أو الخدمة.
كما أن الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات جديدة مرتبطة بالمسؤولية القانونية. فإذا تسبب نظام ذكي في ضرر مالي أو مهني أو اجتماعي لأحد المستخدمين، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل هو المطور أم الشركة المستغلة أم مزود البيانات؟ هذه الأسئلة أصبحت موضوعاً رئيسياً للنقاش القانوني الدولي، ومن المتوقع أن تؤثر بشكل مباشر على بيئة الأعمال خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، يوفر الذكاء الاصطناعي فرصاً هائلة للمقاولات المغربية، خاصة في مجالات المحاسبة والتدقيق والاستشارات القانونية والصحة والتعليم والسياحة والفلاحة والصناعة والخدمات المالية. فاعتماد الحلول الذكية يمكن أن يساهم في تقليص التكاليف، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة التنافسية للمقاولات الوطنية داخل الأسواق الدولية.
غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب الاستثمار في الكفاءات البشرية والتكوين المستمر، وإرساء ثقافة قانونية ورقمية جديدة داخل المؤسسات. فالمنافسة المستقبلية لن تكون بين من يمتلك التكنولوجيا فقط، بل بين من يستطيع الجمع بين الابتكار والامتثال القانوني والحكامة الجيدة.
إن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال الاقتصاد العالمي من عصر الرقمنة التقليدية إلى عصر الذكاء الاصطناعي المنظم قانونياً. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه كل مقاولة مغربية اليوم ليس: هل يجب أن نستعمل الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نحن مستعدون قانونياً وتنظيمياً ومؤسساتياً لاستعماله بشكل آمن ومستدام؟
إن مستقبل المقاولات المغربية في الاقتصاد الرقمي لن يتوقف على امتلاك الخوارزميات وحدها، بل على قدرتها على بناء منظومات متكاملة تجمع بين الابتكار التكنولوجي، والامتثال القانوني، وحماية الحقوق، وتعزيز الثقة الرقمية. فهذه العناصر مجتمعة هي التي ستحدد الفائزين الحقيقيين في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.