مولاي الحسن الصوصي يكتب..انتخابات 2026 بجهة درعة تافيلالت: بين إعادة إنتاج العبث وفرصة الإنقاذ الأخيرة

تتقدم جهة درعة تافيلالت نحو محطة الانتخابات التشريعية لسنة 2026 وسط شعور عام بالإنهاك السياسي وفقدان الثقة في جدوى صناديق الاقتراع، فالجهة التي راكمت وعودا انتخابية متكلسة، وخرائط تمثيلية مشوهة، ووجوها استنفدت كل مبررات بقائها، تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ إما إعادة إنتاج نفس العبث الانتخابي، أو الشروع الفعلي في تصحيح المسار.

كائنات انتخابية تعيد تدوير الفشل

المتابع لما يجري داخل الأحزاب السياسية بدرعة تافيلالت يلمس بوضوح عودة نفس الكائنات الانتخابية إلى الواجهة، مستفيدة من علاقات زبونية داخل الأجهزة الحزبية و قدرتها على شراء الولاءات وتجييش الأتباع وشبكات مصالح نسجتها عبر سنوات من استغلال مواقع المسؤولية والتمثيلية.

هذا النمط من المرشحين لا يحمل أي مشروع سياسي حقيقي، ولا رؤية تشريعية أو رقابية، بقدر ما يتقن فن إدارة الحملات الانتخابية كصفقات موسمية مربحة، تُستعمل فيها الأموال والوعود والمصالح الضيقة، ثم تطوى الملفات بمجرد إعلان النتائج.

السؤال المؤرق هنا؛ هل تحتاج الجهة فعلا إلى مزيد من البرلمانيين الغائبين عن قضاياها الجوهرية، الحاضرين فقط في لحظة التصويت والانضباط الحزبي، المتوارين عندما يتعلق الأمر بمساءلة الحكومة حول التهميش الذي تعيشه الأقاليم والقرى والمناطق الجبلية؟

عزوف انتخابي يهدد الشرعية التمثيلية

تجربة الاستحقاقات السابقة أثبتت أن نسب المشاركة في عدد من دوائر درعة تافيلالت كانت ضعيفة ومقلقة. هذا العزوف لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات، تتمثل في وعود لم تحترم و برامج لم تفعل و مؤسسات منتخبة تحولت في نظر المواطنين إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة للتنمية.

إذا استمر منطق التصويت للعائلة أو القبيلة أو صاحب المال والنفوذ، فإن نتائج 2026 لن تكون سوى نسخة مكررة من سابقاتها، وستستمر الجهة في دفع ثمن تمثيلية مشوهة لا تعكس وعي المجتمع ولا حاجاته الحقيقية.

مسؤولية الناخبين والفاعلين النزهاء

الانتخابات ليست اختبارا للأحزاب فقط؛ إنها قبل ذلك وبعده امتحان لوعي الناخبين وقدرتهم على رفض البيع والشراء الانتخابي بكل أشكاله، سواء في شكل أموال مباشرة أو وعود بالتشغيل أو خدمات ظرفية، الى جانب محاسبة الوجوه الفاشلة التي سبق أن مُنحت الفرصة ولم تقدّم شيئاً يذكر للجهة، عبر معاقبتها في الصندوق ورفض منطق ما عندنا غيرهم، الى جانب دعم الكفاءات النزيهة، حتى إن لم تكن مشهورة انتخابيا، ما دامت تحمل برنامجا واضحا، ومسارا نظيفا، وقدرة على الدفاع عن قضايا الجهة تحت قبة البرلمان.

في المقابل، تتحمل الكفاءات الحزبية والفعاليات المدنية مسؤولية جسيمة في هذه المرحلة، فلا يكفي الاكتفاء بالنقد من خارج المؤسسات؛ المطلوب هو اقتحام واجهة الترشيح وعدم ترك الساحة فارغة أمام سماسرة الانتخابات، بل يجب الانتقال من رد الفعل إلى مبادرات عملية: لوائح نظيفة، تحالفات قائمة على البرامج لا على اقتسام الغنائم، حملات تواصلية صادقة مع المواطنين.

ما الذي يجب أن يطالب به ناخب درعة تافيلالت؟

بدل الانجرار وراء الخطابات الفضفاضة، على الناخب في الجهة أن يضع أمام كل مرشح أسئلة محددة وواضحة، منه ما هو مشروعك التشريعي لصالح الجهة في ملفات الماء، الصحة، التعليم، التشغيل، والطرق؟ وكيف ستدافع عن نصيب الجهة من الاستثمارات الوطنية والبرامج الحكومية؟ وما هي آليات تواصلك مع الساكنة بعد الانتخابات؟ هل ستلتزم بحصيلة سنوية علنية؟ وما هي خطواتك لمحاربة الريع والفساد داخل المؤسسات التي ستلجها إن فزت؟

أي مرشح لا يملك أجوبة واضحة وقابلة للقياس على هذه الأسئلة، لا يستحق أصوات الناخبين مهما كانت شعاراته أو قدرته على تعبئة الحشود.

إن النقد وحده لا يغير شيئا، والعزوف لا يسقط الفاسدين، بل يمنحهم فرصة ذهبية لتقليص كلفة فوزهم في الانتخابات. المطلوب اليوم بجهة درعة تافيلالت هو انتقال جماعي من ثقافة الشكوى من التهميش إلى ثقافة الفعل الانتخابي الواعي ومن الاكتفاء بتداول الفضائح على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تفعيل آلية العقاب والمكافأة عبر صناديق الاقتراع ومن منطق كلهم فاسدون إلى منهجية التمييز بين الفاسد والنزيه، وبين الجاد والانتهازي.

 2026… لحظة اختبار لا تعوض

انتخابات 2026 التشريعية بجهة درعة تافيلالت ليست محطة عابرة؛ إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة هذه الجهة على استعادة قرارها من أيدي شبكات المصالح والريع الانتخابي وفرض تمثيلية برلمانية تعكس حجم التحديات التي تعيشها المناطق الجبلية والواحات والقرى النائية وفتح أفق جديد لشباب الجهة، بعيدا عن منطق الإحباط والهجرة والانسحاب من الشأن العام.

إذا استمرت العادات الانتخابية نفسها، فستنتج النتائج نفسها، وسنعود بعد خمس سنوات للحديث عن خيانة الوعود والبرلماني الغائب والتنمية المعطلة، أما إذا قرر الناخبون والفاعلون النزهاء تحويل 2026 إلى محطة فرز حقيقية بين من يريد الجهة ومن يريد الغنيمة، فستكون درعة تافيلالت قد خطت أول خطوة فعلية في طريق إصلاح  ما افسده زمن طويل من العبث الانتخابي.

Exit mobile version