
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
أعاد النقاش الذي أثارته تصريحات والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بشأن تأجيل دخول بنك التكنولوجيا المالية البريطاني Revolut إلى السوق المغربية، طرح إشكالية جوهرية تتجاوز مجرد منح ترخيص لمؤسسة مالية أجنبية، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بحدود الانفتاح الاقتصادي، وموقع السيادة التنظيمية للدولة، وطبيعة التوازن المطلوب بين تشجيع الابتكار المالي وحماية الاستقرار النقدي والمالي الوطني. وقد أوضح والي بنك المغرب أن المؤسسة لا ترفض من حيث المبدأ دخول فاعلين دوليين جدد، لكنها تعتبر أن هناك ثلاثة أوراش استراتيجية ذات أولوية قصوى تتمثل في المفاوضات التنظيمية المتعلقة بتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، والتقييمات الدولية المرتقبة من طرف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم تقييمات مجموعة العمل المالي المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي ملفات تجعل البنك المركزي يفضل التريث قبل فتح السوق أمام فاعلين دوليين جدد.
من الناحية الاقتصادية، يمكن تفسير هذا الموقف في إطار المدرسة المؤسسية الجديدة التي يعتبر من أبرز روادها الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل Douglass North، والتي تؤكد أن نجاح الأسواق لا يرتبط فقط بالمنافسة، بل بوجود مؤسسات قوية وقواعد تنظيمية مستقرة قادرة على إدارة المخاطر وضمان الثقة. فقبل السماح بدخول مؤسسات مالية عابرة للحدود تعتمد على التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات المالية، يصبح من الضروري التأكد من جاهزية البيئة القانونية والتنظيمية لاستيعاب هذه التحولات دون المساس باستقرار النظام المالي.
كما يجد هذا الموقف سنده في نظرية الاستقرار المالي التي طورها الاقتصادي الأمريكي Hyman Minsky، والتي ترى أن الابتكارات المالية غير المؤطرة قد تتحول من أدوات للنمو إلى مصادر للمخاطر النظامية إذا لم تخضع لرقابة فعالة. فالمؤسسات الرقمية العملاقة قادرة على استقطاب ملايين العملاء في فترات وجيزة، مما يفرض على البنوك المركزية تطوير أدوات رقابية جديدة تتجاوز النماذج التقليدية للإشراف المصرفي.
أما من منظور القانون المالي المقارن، فإن موقف بنك المغرب ينسجم مع فلسفة المدرسة التنظيمية الأوروبية التي تعطي الأولوية لمبدأ “الاحتراز التنظيمي” أو Regulatory Prudence، والذي يقتضي عدم التسرع في منح التراخيص قبل استكمال المنظومة القانونية والرقابية اللازمة. وهذا ما يفسر ربط الجواهري قرار الانفتاح على مؤسسات جديدة بنتائج التقييمات الدولية المنتظرة خلال سنة 2026، خاصة تلك المتعلقة بالحوكمة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ومن زاوية أخرى، فإن القضية تطرح سؤال المنافسة بين الفاعلين المحليين والدوليين. فقد أكد بنك المغرب أن الشريحة المستهدفة من طرف ريفولوت أصبحت اليوم محل تنافس قوي بين البنوك المغربية ومؤسسات الأداء الوطنية، وهو ما يعني أن السوق لم تعد تعاني من فراغ يستدعي تدخلاً عاجلاً لفاعل أجنبي جديد. وهنا تبرز نظرية الميزة التنافسية الوطنية للاقتصادي Michael Porter، التي تؤكد أن الدول الناجحة هي التي تمنح الوقت الكافي لمؤسساتها الوطنية لتطوير قدراتها قبل تعريضها لمنافسة دولية مباشرة قد تؤدي إلى إضعافها.
ويبدو أن البنوك المغربية استوعبت مبكراً التحولات العالمية في القطاع المالي، حيث سارعت إلى إطلاق مشاريع رقمية متطورة تستلهم نموذج البنوك الرقمية العالمية، ومن بينها مشروع “Simple” الذي يهدف إلى تقديم خدمات مصرفية رقمية متكاملة تشمل فتح الحسابات عن بعد، والتحويلات الفورية، والبطاقات الافتراضية، وخدمات الادخار الذكي. وهذا يعكس انتقال القطاع البنكي المغربي من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، وهو ما تنادي به نظرية الابتكار التدميري للعالم الاقتصادي Clayton Christensen، التي تؤكد أن المؤسسات التي تستبق التحولات التكنولوجية تكون أكثر قدرة على مواجهة المنافسة المستقبلية.
وفي إطار التحليل القانوني، فإن موقف بنك المغرب ينسجم أيضاً مع مفهوم السيادة الرقمية والمالية الذي أصبح أحد أبرز المواضيع المطروحة عالمياً في ظل توسع الشركات التكنولوجية العابرة للحدود. فالدولة الحديثة لم تعد تحمي فقط حدودها الترابية، بل أصبحت مطالبة بحماية بيانات مواطنيها، وأنظمتها المالية، ومصالحها الاقتصادية الاستراتيجية. ومن ثم فإن أي قرار يتعلق بدخول مؤسسة مالية رقمية عالمية يجب أن يراعي اعتبارات الأمن السيبراني، وحماية المعطيات الشخصية، والامتثال الضريبي، ومكافحة الجرائم المالية.
وفي ضوء التجارب الدولية، يتبين أن العديد من الدول اعتمدت نهجاً مشابهاً للمغرب، حيث فضلت التدرج في فتح أسواقها المالية أمام البنوك الرقمية العالمية إلى حين استكمال الإصلاحات التنظيمية اللازمة. ويؤكد ذلك أن النقاش لا يتعلق برفض التكنولوجيا أو الانغلاق الاقتصادي، وإنما بإدارة الانتقال الرقمي وفق رؤية استراتيجية متوازنة تضمن الاستفادة من مزايا الابتكار دون التفريط في متطلبات الاستقرار.
إن قراءة موضوع دخول ريفولوت إلى المغرب من منظور أكاديمي تكشف أن القضية ليست قضية ترخيص مؤجل فحسب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة المغربية على التوفيق بين مقتضيات العولمة المالية ومتطلبات السيادة التنظيمية. فبين منطق السوق المفتوحة ومنطق الحذر الرقابي، يبدو أن بنك المغرب اختار نهج التدرج والاحتراز، وهو خيار يجد دعمه في العديد من النظريات الاقتصادية والمدارس القانونية الحديثة التي تعتبر أن الاستقرار المؤسسي يظل شرطاً أساسياً لأي انفتاح مالي ناجح. وفي ظل الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب استعداداً لاستحقاقات اقتصادية ودولية متزايدة، فإن نجاح هذه المقاربة قد يجعل من المملكة نموذجاً إقليمياً في إدارة التحول الرقمي المالي بشكل يجمع بين الابتكار والأمن والثقة والاستدامة.
