
بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يعد قضاء الإلغاء من أهم الآليات القضائية التي كرسها القانون الإداري لحماية مبدأ المشروعية، وضمان خضوع الإدارة للقانون في جميع تصرفاتها وقراراتها. فالإدارة، وإن كانت تتمتع بامتيازات السلطة العامة، فإنها لا تملك أن تتصرف خارج حدود القانون، ولا أن تمس بحقوق الأفراد والجماعات دون سند مشروع. ومن هنا جاءت دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة باعتبارها وسيلة قضائية تهدف إلى إعدام القرار الإداري غير المشروع، متى ثبت للقاضي الإداري أنه صدر مشوبا بعيب من عيوب المشروعية.
وتقوم دعوى الإلغاء على فكرة أساسية مفادها أن القرار الإداري، مهما كانت الجهة التي أصدرته، يجب أن يكون مطابقا للقانون من حيث الجهة المختصة بإصداره، والشكل الواجب اتباعه، والإجراءات الضرورية السابقة عليه، والسبب الواقعي والقانوني الذي بني عليه، والمحل الذي رتبه، والغاية التي سعت الإدارة إلى تحقيقها. فإذا اختل أحد هذه العناصر، أصبح القرار قابلا للطعن بالإلغاء أمام الجهة القضائية المختصة.
وقد أسند المشرع المغربي للمحاكم الإدارية، بموجب القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، اختصاص البت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة، إلى جانب اختصاصات أخرى مرتبطة بالعقود الإدارية ودعاوى التعويض عن الأضرار الناتجة عن أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام. وتؤكد وزارة العدل أن المحاكم الإدارية تختص بالبت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة.
غير أن انعقاد الاختصاص للمحكمة الإدارية لا يتم بصورة آلية في كل الحالات، بل يجب أولا تحديد طبيعة القرار الإداري، والسلطة التي أصدرته، ومجال تنفيذه. فإذا كان القرار صادرا عن سلطة إدارية محلية أو جهوية، وكان أثره ينحصر داخل النفوذ الترابي لمحكمة إدارية معينة، فإن الاختصاص ينعقد لهذه المحكمة الإدارية. أما إذا كان القرار صادرا عن سلطة إدارية يتجاوز نطاق تنفيذ قرارها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية واحدة، أو كان القرار صادرا عن رئيس الحكومة، فإن الاختصاص ينعقد استثناء لمحكمة النقض باعتبارها جهة مختصة في بعض طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة. وقد ورد في النص القانوني المنظم للمحاكم الإدارية أن بعض القرارات التي يتعدى نطاق تنفيذها الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية لا تدخل في الاختصاص العادي للمحاكم الإدارية، بل تندرج ضمن الحالات الخاصة المعروضة على محكمة النقض.
وبذلك، فإن أول سؤال يطرح في دعوى الإلغاء هو سؤال الاختصاص: هل القرار صادر عن سلطة إدارية محلية يدخل تنفيذه ضمن نفوذ محكمة إدارية معينة؟ أم أن القرار صادر عن سلطة مركزية أو يتجاوز نطاق تنفيذه دائرة محكمة إدارية واحدة؟ والجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد ما إذا كان الطعن سيرفع أمام المحكمة الإدارية المختصة ترابيا، أو أمام محكمة النقض في الحالات الاستثنائية التي حددها القانون.
وتتميز دعوى الإلغاء بكونها دعوى عينية وموضوعية، لأنها لا تستهدف في جوهرها الحكم بتعويض لفائدة الطاعن، وإنما ترمي إلى حماية مبدأ المشروعية بإزالة القرار غير المشروع من النظام القانوني. فالقاضي الإداري لا يحل محل الإدارة، ولا يصدر قرارا إداريا بديلا عنها، وإنما يراقب مدى احترام القرار المطعون فيه للقانون. فإذا ثبت له أن القرار غير مشروع، قضى بإلغائه، فيزول القرار بأثر قانوني، وتلتزم الإدارة بترتيب النتائج القانونية المترتبة على هذا الإلغاء.
ومن شروط قبول دعوى الإلغاء وجود قرار إداري نهائي ومؤثر في المركز القانوني للطاعن. فالقرار القابل للطعن هو القرار الذي يحدث أثرا قانونيا مباشرا، كقرار رفض الترخيص، أو سحب رخصة، أو عزل موظف، أو رفض طلب إداري، أو اتخاذ مقرر يمس بحقوق شخص ذاتي أو اعتباري. أما الأعمال التحضيرية، أو الآراء، أو المراسلات الداخلية التي لا تنتج أثرا قانونيا مباشرا، فلا تقبل من حيث الأصل أن تكون موضوعا لدعوى الإلغاء.
كما يشترط لقبول دعوى الإلغاء توفر الصفة والمصلحة في الطاعن، أي أن يكون القرار الإداري قد مس بمركزه القانوني أو ألحق به ضررا حالا أو محتملا وجادا. فالقضاء الإداري لا يفتح بابه للطعن النظري أو المجرد، بل يتطلب علاقة قانونية مباشرة بين الطاعن والقرار المطعون فيه.
أما من حيث الأجل، فقد نصت المادة 23 من القانون رقم 41.90 على أن طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة يجب أن تقدم داخل أجل ستين يوما من تاريخ نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعني بالأمر. ويعد هذا الأجل من الآجال الجوهرية المرتبطة بالنظام العام، لأن الغاية منه هي تحقيق التوازن بين حق الأفراد في الطعن وبين ضرورة استقرار المراكز القانونية والقرارات الإدارية.
وأمام المتضرر من القرار الإداري طريقان أساسيان. الطريق الأول هو اللجوء مباشرة إلى القضاء الإداري داخل أجل ستين يوما، بواسطة مقال افتتاحي مكتوب، لأن المسطرة أمام القضاء الإداري مسطرة كتابية في الأصل، وتنظر فيها المحكمة الإدارية بصفة جماعية. والطريق الثاني هو سلوك مسطرة التظلم الإداري قبل رفع الدعوى القضائية، وهو إجراء يسمح للإدارة بمراجعة قرارها وتصحيح ما قد يشوبه من عيوب دون انتظار تدخل القضاء.
والتظلم الإداري هو طلب يوجهه المتضرر إلى الإدارة من أجل سحب القرار الإداري أو تعديله أو إعادة النظر فيه. وقد يكون هذا التظلم استعطافيا، عندما يوجه إلى نفس الجهة التي أصدرت القرار؛ وقد يكون رئاسيا، عندما يوجه إلى الرئيس الإداري للجهة المصدرة للقرار؛ وقد يكون وصائيا، عندما يوجه إلى سلطة الوصاية على الجهة التي أصدرت القرار، خاصة في الحالات التي يتعلق فيها الأمر بجماعات ترابية أو مؤسسات عمومية أو هيئات خاضعة لوصاية إدارية.
وتكمن أهمية التظلم في أنه لا يشكل فقط وسيلة دفاعية لفائدة المتضرر، بل يمثل أيضا فرصة للإدارة من أجل تصحيح خطئها ذاتيا. فالإدارة قد تراجع موقفها بعد الاطلاع على الوثائق والحجج المقدمة من طرف المتظلم، وقد تقرر سحب القرار أو تعديله أو إصدار قرار جديد أكثر انسجاما مع القانون. وفي هذه الحالة، يتحقق الهدف دون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء.
غير أن التظلم الإداري يجب أن يقدم داخل أجل الطعن بالإلغاء، أي داخل أجل ستين يوما من تاريخ نشر القرار أو تبليغه إلى المعني بالأمر. فإذا قدم التظلم خارج هذا الأجل، فإنه لا يفتح أجلا جديدا للطعن، لأن آجال دعوى الإلغاء تعتبر من النظام العام. أما إذا قدم التظلم داخل الأجل القانوني، فإن الإدارة تكون أمام احتمالين: إما أن تجيب صراحة بقبول التظلم أو رفضه، وإما أن تلتزم الصمت. وفي حالة سكوت الإدارة، فإن عدم جوابها داخل أجل ستين يوما يعتبر رفضا ضمنيا، يفتح أمام المتضرر إمكانية اللجوء إلى القضاء داخل أجل جديد. وقد أكدت المادة 23 من القانون رقم 41.90 هذا الأثر القانوني للتظلم، حيث يبتدئ أجل جديد من تاريخ الرفض الصريح أو الضمني للتظلم.
ويترتب عن ذلك أن الطاعن، عند رفع دعوى الإلغاء بعد سلوك مسطرة التظلم، يجب أن يرفق مقاله القضائي بالقرار الإداري المطعون فيه، ونسخة من التظلم الموجه إلى الإدارة، وما يفيد إيداعه أو توصله داخل الأجل، إضافة إلى ما يثبت الرفض الصريح أو الرفض الضمني الناتج عن سكوت الإدارة. فهذه الوثائق تكتسي أهمية كبرى، لأنها تثبت احترام الطاعن للمسطرة والآجال، وتبين للمحكمة أن الإدارة منحت فرصة لمراجعة قرارها قبل عرض النزاع على القضاء.
وتظهر العلاقة بين التظلم وقضاء الإلغاء في كونهما يشكلان مسارين متكاملين لا متعارضين. فالتظلم هو وسيلة إدارية قبلية أو اختيارية في الأصل، تمكن الإدارة من تصحيح قرارها بنفسها. أما قضاء الإلغاء فهو وسيلة قضائية لاحقة، يتدخل من خلالها القاضي الإداري لإعدام القرار غير المشروع عندما ترفض الإدارة مراجعته أو تلتزم الصمت تجاه التظلم المقدم إليها.
وتزداد أهمية التظلم عندما يكون القرار الإداري مشوبا بعيب ظاهر، مثل صدوره عن جهة غير مختصة، أو مخالفته لمسطرة جوهرية، أو انعدام تعليله في الحالات التي يفرض فيها القانون التعليل، أو بنائه على وقائع غير صحيحة، أو استعمال الإدارة لسلطتها لتحقيق غرض غير مشروع. ففي هذه الحالات، قد يكون التظلم فرصة لإقناع الإدارة بتفادي الخصومة القضائية وسحب القرار قبل صدور حكم بإلغائه.
أما إذا أصرت الإدارة على موقفها، فإن دعوى الإلغاء تصبح الوسيلة القضائية الطبيعية لحماية المتضرر. ويقوم القاضي الإداري في هذه الحالة بمراقبة أوجه المشروعية الخارجية والداخلية للقرار. فعلى مستوى المشروعية الخارجية، يراقب الاختصاص والشكل والإجراءات. وعلى مستوى المشروعية الداخلية، يراقب السبب والمحل والغاية. فإذا تبين له أن القرار صدر مخالفا للقانون، أو بني على وقائع غير ثابتة، أو استعملت فيه الإدارة سلطتها لغرض غير الغرض الذي منحت من أجله، قضى بإلغائه.
وتكمن خصوصية قضاء الإلغاء في أنه يعكس مبدأ جوهريا في دولة القانون، وهو أن الإدارة ليست فوق القانون. فالإدارة القوية ليست هي التي تفرض قراراتها دون رقابة، بل هي التي تحترم المشروعية وتراجع قراراتها عند الخطأ. كما أن المواطن أو المقاولة أو الجمعية أو الجماعة التي تتضرر من قرار إداري لا تواجه الإدارة بوسائل غير قانونية، بل تسلك طرقا مؤسساتية منظمة، تبدأ بالتظلم الإداري وقد تنتهي بدعوى الإلغاء أمام القضاء المختص.
ومن الناحية العملية، يجب أن يصاغ التظلم الإداري بدقة ووضوح. فينبغي أن يتضمن اسم المتظلم وصفته وعنوانه، وتحديد القرار موضوع التظلم، وتاريخ تبليغه أو العلم به، والجهة التي أصدرته، وبيان أوجه عدم المشروعية، ثم الطلب الصريح الموجه إلى الإدارة، سواء كان سحب القرار أو تعديله أو إعادة النظر فيه. كما يستحسن أن يكون التظلم مرفقا بالوثائق والحجج، وأن يوجه بطريقة تضمن إثبات التوصل، لأن تاريخ الإيداع أو التوصل له أثر مباشر على احتساب الآجال.
وخلاصة القول، إن قضاء الإلغاء والتظلم الإداري يشكلان معا ضمانتين أساسيتين في مواجهة القرار الإداري غير المشروع. فالتظلم يمنح الإدارة فرصة للتصحيح الذاتي، ودعوى الإلغاء تمنح القضاء سلطة مراقبة المشروعية وإعدام القرار المخالف للقانون. وبين هاتين الآليتين يتجسد التوازن المطلوب بين امتيازات السلطة العامة وحقوق الأفراد، وبين ضرورة استمرار المرفق العام ووجوب احترام القانون.
لذلك، فإن ترسيخ ثقافة التظلم الإداري، وتحسين جودة القرار الإداري، وتعزيز تعليل المقررات الإدارية، وتيسير الولوج إلى القضاء الإداري، كلها عناصر أساسية لبناء إدارة مواطنة، مسؤولة، خاضعة للقانون، وقادرة على تصحيح أخطائها قبل أن يصححها القضاء.
