
لم تكن الدورة العادية لشهر يوليوز 2026 لمجلس جهة درعة تافيلالت، المنعقدة بمقر الجهة بالرشيدية، مجرد محطة عادية للمصادقة على الاتفاقيات، بل تحولت إلى زلزال سياسي أعاد ترتيب موازين القوى داخل المجلس، فالنتيجة المدوية التي أسفرت عن إسقاط جميع النقط المتعلقة بإقليم الرشيدية بأغلبية 16 صوتا مقابل 8 أصوات، مسبوقة بمقاطعة واسعة شملت 15 عضوا وثلاثة من نواب الرئيس، فتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤل حارق: هل أذكى رئيس المجلس، اهرو أبرو، بأسلوب تدبيره، نار الفتنة والنعرات الإقليمية بين الأقاليم الخمسة المكونة للجهة؟
هندسة جدول الأعمال: مصلحة الجهة أم طعم للناخبين؟
كشفت كواليس دورة يوليوز 2026 أن إعداد جدول الأعمال لم يخضع لمعايير تقنية أو لحاجيات تنموية موضوعية، بل صِيغ بخلفية انتخابية صرفة، فمع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، سعى رئيس المجلس إلى حشد النصيب الأكبر من المشاريع والاتفاقيات وضخها في إقليم الرشيدية.
هذه البرمجة المكثفة لم تكن استجابة لضرورة تنموية ملحة بقدر ما كانت “مناورة سياسية مسبقة الصنع”؛ حيث يعلم الرئيس علم اليقين أن المساطر والإجراءات الإدارية والتمويلية الخاصة بهذه المشاريع ستتأخر، ولن يتم إطلاقها أو تفعيلها خلال ما تبقى من الولاية الانتدابية الحالية. والهدف الحقيقي من وراء هذا الإدراج لم يكن البناء، بل كان مجرد رغبة في إرضاء القواعد والناخبين بإقليم الرشيدية عبر تسويق “منجزات على الورق”، و استمالة المنتخبين المحليين وضمان ولائهم الخزان الانتخابي الأكبر في الجهة، و تقديم أوراق الاعتماد للقيادة الحزبية المركزية كقائد سياسي قادر على تأمين الهيمنة في المحطات المقبلة.
الانفراد بقرار التدبير.. وسلاح المقاطعة المشروعة
هذا التوظيف الحزبي الضيق للمجلس فجر غضبا عارما وسط مستشاري الأقاليم الأربعة الأخرى (ورزازات، تنغير، ميدلت، وزاكورة)، الذين رفضوا أن تتحول مؤسستهم الجهوية إلى “دكان انتخابي” لخدمة لون سياسي واحد على حساب التوازن المجالي.
ولأن الرئيس أصر على نهج التسيير الأحادى رافضا إشراك المكونات الحقيقية للجهة في صناعة القرار، جاء الرد السياسي حاسما ومقننا؛ تمثل أولا في مقاطعة واسعة النطاق شلت أشغال الدورة بغياب 15 عضواً، من بينهم ثلاثة من نواب الرئيس ونصف ممثلي إقليم الرشيدية (حضر 5 من أصل 10). هذا الغياب الجماعي لم يكن تملصا من المسؤولية، بل كان خطوة احتجاجية أولى لتعرية الأغلبية الوهمية التي كان يتغطى بها الرئيس لتمرير قراراته الفوقية.
التصويت داخل القاعة: إسقاط “الاستفراد السياسي”
حين بدأت عملية التصويت، ترجم التنسيق السياسي المحكم بين المستشارين الغاضبين إلى صفعة ديمقراطية قاسية للرئاسة بـ 16 صوتا رافضا مقابل 8 أصوات مؤيدة. ولم يكن التصويت ضدا في تنمية الرشيدية أو مشاريعها الاجتماعية، بل كان إسقاطا صريحاً لمنطق الاستفراد ومحاولة الاحتكار الحزبي.
المفارقة الساخرة هنا، هي أن المستشارين صوتوا بالإيجاب ومرروا مشاريع باقي الأقاليم بسلاسة، ليثبتوا للرأي العام أن المشكلة ليست في “بلوكاج” تنموي، بل في رئيس أراد الاستئثار بكعكة المشاريع للتسويق الانتخابي لإقليمه وحزبه، تاركا الهوامش غارقة في عزلتها.
كلفة الحسابات الضيقة
في المحصلة، يتحمل رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت المسؤولية الكاملة عن إذكاء نار التفرقة ونعرات الإقصاء بين الأقاليم الخمسة، ورهن مصير التنمية في جهة تعيش هشاشة حادة بحسابات الربح والخسارة الانتخابية، والركض وراء إرضاء القيادات على حساب الإنصاف المجالي، هو الذي أدى إلى هذا الانفجار السياسي داخل دورة يوليوز 2026.
و لا تتوقف خطورة هذا السلوك الأحادي من طرف رئيس المجلس عند حدود الخسارة السياسية أو تعطيل المشاريع، بل تمتد لتضرب في العمق السياسة الأمنية الاستباقية التي تقودها بجهود مضنية مختلف الأجهزة الأمنية، والولاية، وعمالات الأقاليم الخمسة بالجهة، حيث أنه في الوقت الذي تحرص فيه السلطات الترابية والأمنية على الحفاظ على السلم الاجتماعي وتكريس روح “التضامن والوحدة الوطنية والمجالية”، تأتي مناورات رئيس الجهة الانتخابية لتخلق بؤر توتر مجاني وتغذي نعرات التفرقة والجهوية الضيقة بين أبناء الجهة الواحدة.
ولا يعاكس هذا التوظيف الحزبي لملف التنمية، فقط توجهات الدولة في تدبير الأزمات، بل يضع أجهزة الدولة الإدارية والأمنية أمام تحديات إضافية بإنتاجه لموجات جديدة من الاحتقان الشعبي والاحتجاج الميداني في الأقاليم التي شعرت بالإقصاء، مما قد يهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي لجهة حدودية من جهة جمهورية الجزائر، ذات خصوصية حساسة مثل درعة تافيلالت.
لقد أثبتت هذه الدورة أن زمن التفويض المفتوح قد ولى، وأن هندسة المعارك الانتخابية من داخل كراسي تدبير الجهة قد تنقلب على صاحبها إذا غاب الصدق التنموي، لتظل الأيام المقبلة مفتوحة على سيناريوهات معقدة قد تدفع بالرئيس إلى العزلة التامة ما لم يتخلَ عن جلبابه الحزبي ويحتكم للعدالة المجالية والعمل التشاركي.