
دخلت جهة درعة تافيلالت منعطفا سياسيا حادا عقب إسقاط دورة يوليوز العادية من طرف أغلبية أعضاء المجلس، في خطوة لافتة تعكس حجم الشرخ والقطيعة السياسية بين رئيس الجهة، اهرو أبرو، ومحيطه التدبيري.
هذا الإسقاط، الذي وصفه متتبعون للشأن المحلي بـ “الزلزال السياسي”، فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة وشبه وجودية حول مستقبل التسيير بالجهة، لعل أبرزها ما يتردد في كواليس الساحة السياسية المحلية بلهجة العتاب والذهول: “ماذا بينك وبين الله حتى يكرهك الجميع؟”، في إشارة إلى حالة الإجماع غير المسبوقة ضد التوجهات الحالية لرئاسة المجلس.
اليوم، وبعد أن وضعت القوانين التنظيمية رئيس الجهة في موقف حرج يمس “شرعية التوافق” التي بني عليها المجلس، يبدو أن السؤال المركزي لم يعد متعلقا بأسباب الخلاف، بل بـ “كيف سيرد هرو أبرو لإثبات نفسه رئيسا لمجلس الجهة؟” وما هي أوراق الضغط والتصفية السياسية التي قد يشهرها في وجه خصومه؟
1. ورقة سحب التفويضات: هل بدأ العد العكسي لنواب الرئيس؟
أولى السيناريوهات المطروحة بقوة على طاولة الردود المتوقعة تتجلى في لجوء رئيس الجهة إلى سحب التفويضات من النواب المتغيبين، والذين تشير المعطيات إلى أن عددهم بلغ 3 نواب وضعوا أنفسهم في خانة المغضوب عليهم، هذا الإجراء، وإن كان قانونيا ويدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للرئيس، إلا أنه سيحمل طابعا “انتقاميا” بامتياز، وسيعمق الهوة ويسرع من وتيرة تفكيك ما تبقى من تحالفات هشة.
2. سلاح المال: حجب تعويضات رؤساء اللجان ونوابهم
الورقة الثانية التي يملكها الرئيس للضغط وتثبيت سلطته هي الورقة المالية. فمن المتوقع جداً أن يتجه أبرو نحو حجب صرف التعويضات الخاصة برؤساء اللجان الدائمة ونوابهم الذين انخرطوا في مسلسل “البلوكاج” وإسقاط الدورة، استخدام هذا السلاح يهدف بالأساس إلى إضعاف الجبهة المعارضة داخليا وإرسال رسالة مباشرة مفادها أن الاستمرار في العصيان السياسي سيكون له ثمن مالي ووظيفي مباشر.
3. تصفية الحسابات مع كاتب المجلس ونائبه
لا تقف حدود المعركة المتوقعة عند النواب ورؤساء اللجان، بل تمتد لتصل إلى الهياكل الإدارية والسياسية اللصيقة برئاسة المجلس، فالتوقعات تشير إلى أن الرئيس قد يتجه نحو تصفية حساباته السياسية مع كاتب المجلس ونائبه، باعتبارهما حلقة وصل أساسية في ضبط وتوجيه مسار الدورات والمحاضر، ضرب هذه الحلقة قد يكون خطوة استباقية من أبرو لإعادة ترتيب البيت الداخلي وفق الولاءات المطلقة وتجريد “المتمردين” من أي سلطة.
4. ورقة السيارات المكتراة وبطاقات الغازوال: تجفيف منابع الامتيازات
من أكثر القرارات المتوقعة إثارة للجدل هي إمكانية اتجاه رئيس الجهة نحو منع الأعضاء المتمردين من استخدام السيارات المكتراة التي تكلف ميزانية الجهة مبالغ طائلة تصل إلى 600 درهم لليوم الواحد لكل سيارة، فضلاً عن توقيف حصصهم الشهرية من المحروقات (الكازوال) والتي تبلغ 4000 درهم شهرياً لكل نائب، هذا الإجراء، إن تم تفعيله، لن يكون مجرد قرار إداري لترشيد النفقات، بل ضربة قاسية ومباشرة تهدف إلى تجريد المعارضين من وسائل التحرك الميداني الممولة من مالية الجهة، وتحويل هذه الامتيازات من “حق مكتسب” إلى “وسيلة للمقايضة والولاء”.
5. توقيف التعويضات الجزافية (Forfait) للتنقل: نهاية عهد الاستفادة الجماعية
بعد أن كان “الجميع يستفيد من قبل” في إطار توافقات وتوازنات البيت الداخلي للمجلس، يبدو أن الرئيس قد يشهر سلاحا آخر يتمثل في الإيقاف الفوري لعملية صرف التعويضات الجزافية (Forfait) الخاصة بالتنقل للأعضاء الذين قادوا أو شاركوا في إسقاط دورة يوليوز، فحرمان هؤلاء الأعضاء من تعويضات التنقل يعني دفعهم لتغطية مصاريف أنشطتهم وحضورهم من جيوبهم الخاصة، مما قد يشكل عامل ضغط مالي ونفسي يدفع بعضهم لإعادة مراجعة مواقفه الرافضة لسياسة الرئيس.
إن تحول الصراع من الخلاف حول البرامج التنموية والمشاريع إلى “حرب امتيازات” تشمل السيارات، الوقود، وتعويضات التنقل، يؤكد أن الأزمة بجهة درعة-تافيلالت قد وصلت إلى مرحلة كسر العظام؛ حيث يسعى كل طرف لاستخدام ما يملك من أوراق لتركيع الطرف الآخر، بينما يظل المتضرر الأكبر من هذا “البلوكاج” وتصفية الحسابات هو المواطن والتنمية بالمنطقة.