
لم يعد السكوت ممكنا أمام ما تشهده ردهات مجلس جهة درعة تافيلالت؛ فقد تفجرت الأوضاع بشكل غير مسبوق، وخرجت رقعة الخلاف من قاعات الاجتماعات المغلقة لتتحول إلى قضية رأي عام يتداولها الجميع بمرارة واستنكار. والسؤال الحارق الذي يتردد اليوم على لسان كل متتبع للشأن الجهوي هو: ماذا فعلت يا أهرو أبرو حتى ينفض من حولك الجميع؟
طوفان التدوينات واستنكار الفاعلين: مجلس مشتت وجهة ممزقة
شهدت منصات التواصل الاجتماعي طوفانا من التدوينات المنشورة من طرف نشطاء مدنيين وفاعلين سياسيين وحقوقيين بالجهة، أجمعت كلها على استنكار السياسة التي ينهجها اهرو أبرو رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت.
وقد عبر هؤلاء الفاعلون عن قلقهم الشديد من حالة التشتت والشرخ الذي أصاب بنية المجلس، محملين الرئيس المسؤولية المباشرة في زرع بذور الفتنة والتفرقة بين أقاليم الجهة، وتفتيت وحدة العمل الجهوي المشترك الذي من المفترض أن يخدم المصلحة العامة لا المصالح الضيقة.
ما الذي بينك وبين الصحافة؟
ولم تتوقف الأزمة عند حدود منصات التواصل، بل ترجمت ميدانيا في أول تمرد علني وتاريخي لأعضاء الجهة على طريقة تدبير شؤونها، وهو التمرد الذي وجد صدى واسعاً وسنداً قوياً في الجسم الصحفي. فقد قاد الإعلاميون من مختلف المنابر الجهوية والوطنية حملة شرسة ومطولة ضد قرارات رئيس المجلس التي وصفوها بـ”غير المنطقية ولا الموضوعية”، فاضحين بالدلالات والوقائع كل ما يجري في كواليس التسيير، سبقتها مقاطعة شاملة لكل انشطة الجهة ودوراته.
وقد كشفت هذه المواجهة عن أسلوب خطير نهجته الرئاسة لتدجين الأقلام، تمثل في استخدام الدعم العمومي المالي كأداة للضغط والمساومة؛ حيث جرى حرمان المنابر الحرة والناقدة بشكل ممنهج، في محاولة بائسة لتجويعها وفرض سياسة “العصا والجزرة”. غير أن هذا الحصار المالي ارتد كالسهم على صاحبه؛ وبدل أن يخرس أصوات الحق، فجر موجة غضب إعلامي عارم عرت العزلة السياسية للرئيس وأبانت عن ضيق ذرعه بالرأي الآخر، ليظل السؤال يتردد بتهكم: “ما الذي بينك وبين الصحافة حتى تكرهك؟” وتكره أقلامها التي رفضت البيع والشراء.
مستشارو الرئاسة وجداول الأعمال: حين يستهدي الرئيس بالغربان!
في سياق البحث عن مكامن الخلل التي أدت إلى هذا التراجع، تتجه القراءات التحليلية نحو تقييم أداء الطاقم الاستشاري المحيط برئيس المجلس، ويرتبط الأمر هنا بالمدراء المتعاقدين بالجهة، الذين يتولون إعداد جداول أعمال الدورات قبل عرضها على اللجان؛ حيث يرى المتتبعون أن المقاربة المعتمدة من طرفهم افتقرت إلى البعد التداولي والتقدير السياسي السليم لحساسية التوازن بين مختلف الأقاليم، و أثبتوا عجزا تاما عن تقديم استشارات حكيمة تخدم توازن الجهة.
إن هذا التخبط التقني يعكس، بحسب متتبعين، ضعف التنسيق بين الرئاسة وطاقمها التدبيري؛ فبدلا من صياغة مقترحات تضمن الإنصاف المجالي وتدعم اللحمة داخل الجهة، ساهمت تلك الاستشارات غير الدقيقة في تعميق هوة الخلاف، وبدل أن يقود الجهة نحو التنمية والاتحاد، قادته نصائح هؤلاء المدراء المتعاقدين مباشرة إلى مستنقع التفرقة والتجزئة، لينفض الجميع من حوله وتدخل الجهة نفقا مظلما من الصراعات المجالية.