
دخل المجلس الأعلى للحسابات مرحلة جديدة من تشديد الرقابة على تدبير الشأن المحلي، بعدما أصدر قضاة المجالس الجهوية للحسابات، قبيل العطلة القضائية الصيفية، سلسلة من الأحكام التأديبية همت عددا من رؤساء الجماعات الترابية ونوابهم على خلفية اختلالات مالية وإدارية رصدتها عمليات الافتحاص والمراقبة، في خطوة تعكس استمرار نهج ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الجماعات الترابية.
وتبرز جهة درعة تافيلالت ضمن الجهات التي شملتها هذه الإجراءات، حيث تشير المعطيات إلى أن عددا من المنتخبين بالجهة يوجدون ضمن الملفات التي يباشرها المجلس الأعلى للحسابات، سواء في إطار التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية أو في إطار التحقيق في شبهات مرتبطة بتدبير المال العام، وذلك إلى جانب منتخبين من جهات أخرى بالمملكة.
ووفق المعطيات المتوفرة، فقد وقفت المجالس الجهوية للحسابات على مجموعة من الاختلالات المرتبطة بتدبير الموارد المالية للجماعات، شملت جوانب تتعلق بتنفيذ الميزانيات، وتدبير الصفقات العمومية، واحترام المساطر القانونية والإدارية، وهو ما ترتب عنه إصدار أحكام تأديبية في حق عدد من المسؤولين المحليين، مع توقع ارتفاع عدد الملفات المعروضة على القضاء المالي خلال الأشهر المقبلة.
كما يرتقب أن يستأنف المجلس الأعلى للحسابات، مباشرة بعد انتهاء العطلة الصيفية، برمجة جلسات جديدة للتحقيق والاستماع إلى منتخبين ورؤساء جماعات، من بينهم مسؤولون بجهة درعة تافيلالت، بعدما توصلوا باستدعاءات للمثول أمام قضاة المجلس خلال شهر أكتوبر المقبل، وذلك في إطار ملفات تتعلق بشبهات اختلالات مالية وإدارية، بعضها يعود إلى ولايات انتخابية سابقة.
ومن بين أبرز القضايا التي ستخضع للتحقيق، ملفات تتعلق بعدم تنفيذ أحكام قضائية صادرة لفائدة مقاولات وشركات ومكاتب دراسات، بسبب امتناع بعض رؤساء الجماعات عن التأشير على مستحقاتها المالية، رغم صدور أحكام نهائية لفائدتها، وهو ما يطرح إشكالات قانونية وإدارية مرتبطة بتنفيذ الأحكام القضائية ضد الجماعات الترابية.
وفي السياق ذاته، واصلت المديرية العامة للجماعات الترابية تتبع ملفات تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الجماعات، حيث قامت، خلال الفترة الأخيرة، بدراسة عشرات الملفات ورصد أسباب تعثر تنفيذها، مع إحالة الحالات التي تعذر تنفيذها بسبب صعوبات مالية أو بسبب امتناع بعض الجماعات إلى المصالح المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وتواصل المديرية، بتنسيق مع وزارة العدل، تتبع الملفات التنفيذية المعروضة أمام المحاكم الإدارية، عبر مراسلة الجماعات المعنية وحثها على تنفيذ الأحكام القضائية وإيجاد حلول عملية للعراقيل التي تحول دون ذلك، في إطار اجتماعات دورية تروم تعزيز احترام القانون وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة داخل الجماعات الترابية.
ويرى متابعون أن هذه التحركات تعكس توجها متزايدا نحو تشديد الرقابة على تدبير المال العام، خاصة في الجهات التي تعرف أوراشاً تنموية كبرى، من بينها جهة درعة تافيلالت، حيث ينتظر أن تسهم التحقيقات والإجراءات التأديبية في تكريس مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الثقة في تدبير الشأن المحلي وفق الضوابط القانونية.