
الأستاذ عبد الرحيم دحاوي: أستاذ باحث
قطع يوم السبت الماضي دابر الشك باليقين، وأضحى ما كان همسا وتسريبا وحديث صالونات الخبر اليقين: فوزي القجع الوزير المنتدب في المالية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والمسؤول عن التحضير لمونديال 2030 يلتحق بالأصالة والمعاصرة. هل يقامر فوزي العليم بحساب المداخيل والمصاريف وعجز الميزانية بكل هذا ليصبح برلمانيا أو وزيرا في حكومة مقبلة وهو الوزير الحالي دون مساحيق سياسية؟؟؟ بل وهل يقدم صاحب كل هذه المسؤوليات على هذه الخطوة دون خطة شاملة لإعادة ترتيب الأدوار؟
لم ينتظر ممتهنو السياسة في المغرب والعارفون بشؤونها طرح السؤال ولا الجواب عنه، فالإشارة أدل من كل تأويل وهي لا تحتاج لكلام بل لفعل: هجرة ثالثة للبام بعد هجرتين ما حققتا كل ما أريد منهما.
الهجرة الأولى واستثناءات الميلاد.
كانت البداية بالوفاء للديمقراطية، فتجمع اليساريون القدامى والأعيان تحت يافطة مدنية قبل التحول لحزب سياسي من ”أحزاب الاعيان” أو من أحزاب الإدارة (كما كانت تسمى في بعض أدبيات التحليل السياسي وهو مالم يعد مقبولا بسبب ماحل ببعض الأحزاب الوطنية). كانت وظيفة الحزب محاربة مد إسلامي بدأ شأنه يتعاظم، والدفاع عن رؤية تعلي من شأن التنمية دون ديمقراطية اتساء بالتجربة التونسية التي سماها أحد الباحثين ”بنعلة”. دارت عجلة الجرار وحصد أصوات الانتخابات المحلية سنة 2009، إلا أن رياح الربيع العربي قلبت الأدوار على حين غرة، وأعادت سؤال الديمقراطية للأمام، وكان من الطبيعي أن يتوارى الحزب في تشريعيات نونبر 2011.
الهجرة الثانية تشريعيات 2016
استفاد حزب العدالة والتنمية من رياح الربيع العربي ومن التلكؤ في مساندة عشرين فبراير ومن مناخ دولي دافع ومن تنظيم داخلي قوي ليفوز بالانتخابات ويتصدر المشهد بعد دستور2011. لكن وبعد نهاية تجربة بنكيران أريد إغلاق القوس، فكانت الهجرة الثانية للأعيان صوب “البام”. لكن هذه الهجرة لم تحقق كل أهدافها وحافظ حزب العدالة والتنمية على تصدر المشهد مستفيدا من نسائم ربيع ماتزال تهب حينها، ومن قوة بنكيران الخطابية ومن اكتساحه للانتخابات المحلية سنة 2015 وهو ما منحه تنظيما قويا في الميدان أو على الأقل زاد من قوته حينها.
الهجرة الثالثة نحو حكومة المونديال أو الإسعاف المتجدد.
لعل حزب الأصالة والمعاصرة الحزب الوحيد من بين أحزاب الأعيان الذي لم يستطع لحد الساعة الفوز بالانتخابات التشريعية ثلاث مرات متتالية ( 2011و 2016و 2021) بسبب المناخ الإقليمي الذي لم يسعفه وبسبب “خطيئة البداية” وما ارتبط بها (لنا في “الفديك” والاتحاد الدستوري خير مثال وغيرهما من أمثلة متعددة منذ نهاية الخمسينيات). واليوم يجري إسعافه لعل الأمر يخرجه مما سبق لاسيما فشل التركيبة القيادية في أن تبني لنفسها ترميزا سياسيا. فكان من الطبيعي في المشهد السياسي المغربي ومنذ تسريب خبر التحاق فوزي لقجع بالحزب توافد الأعيان أفرادا وجماعات على الحزب. لكن وعلى الرغم من كون ما جرى مألوفا في المشهد السياسي ولا يحتاج إلى عالم سياسة أو إلى خبير لتفكيكه وتوقع مآلاته؛ فلابد من إبداء ملاحظات تشكل استثناء حول ما يجري.
- أن الحدث يغلق ما تبقى من قوس الربيع ومن تأويل ديمقراطي للدستور وقد نكون أمام قراءة أخرى للفصل 47 من الدستور؛
- أننا زمنيا بالتوقيت السياسي المغربي زمن 2009، وأن الرهانات السياسية التي رفعت حينها هي ذاتها التي تتكرر اليوم؛ مع الإدراك أن التاريخ لا يعيد نفسه، أي اننا أمام عودة التقنقراط لترأس المشهد والإعلاء من التنمية على حساب الديمقراطية. فهل ينجح فرد في دفع عجلة التنمية وإن عرفت كفاءته في مجالات لأخرى، وهل يمكن أن تحصل التنمية المستدامة دون ديمقراطية حقيقية ودون أحزاب قادرة على إشراك المواطنين وتأطيرهم؟؟؟؛
- خروج رئيس الحكومة العائد عمليا من استقالته لانتقاد ما قام به حزب الأصالة والمعاصرة مما يفتح الباب أمام تساؤلات متعددة حول جدية النقد وأخلاقيته والتقاطبية الحزبية في الانتخابات المقبلة التي يبدو أن محاولات تجري لتقديمها بين الأحرار والأصالة والمعاصرة وما قد يعنيه الأمر من محاولة تقديم الأخير على أنه معارض ونزع الفضيلة من غيره ؛
- حزب الأصالة والمعاصرة اليوم في مواجهة بنكيران المتعب بفعل سنه وتوالي سنوات التدبير، لكن والمنتعش بأداء مجموعته النيابية وبالأداء الحكومي الأكثر سوءا على الأقل منذ حكومة التناوب وإلى اليوم.
تبدو الهجرة الثالثة لحد الآن أقدر من غيرها على تحقيق أهدافها بالنظر للسياق الداخلي والسياق الخارجي، لكن ومهما يكن من أمر فكل متتبع للشأن السياسي سيجد الكثير من الصعوبة في إقناع نفسه بمتابعة الذي يجري وسبر أغواره بفعل كنس السياسة؛ فكيف إذا تعلق الأمر بالتأثير فيه؟؟؟. ليست نية المقال تخذيل أحد فقناعة صاحبه إشعال الشموع أيا كان الوضع، لكنه تحليل وليس دعوة لشيء.