تنغير : مهرجان “تيملسا”.. خمسة عشر عاما من الارتجال وتكرار الأخطاء

 

بعد أكثر من خمسة عشر عاما على انطلاق مهرجان تيملسا ببومالن دادس، يحق للساكنة والفاعلين الثقافيين أن يطرحوا سؤالا بسيطا: ماذا أضاف هذا المهرجان فعلا للمدينة وللثقافة المحلية؟

فالمتابع لبرامج الدورات المتعاقبة يلاحظ بسهولة أن السيناريو يكاد يتكرر كل سنة؛ نفس الجدول، نفس الفقرات، نفس الوجوه، ونفس الخطابات الاحتفالية التي تمجد “النجاح” دون أي تقييم موضوعي للحصيلة، والأسوأ أن البلاغات والبرامج الرسمية لا تزال تعج بالأخطاء اللغوية والصياغات المرتجلة، في وقت أصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج نصوص سليمة واحترافية في دقائق، مما يجعل استمرار هذه الهفوات دليلا على غياب العناية أكثر منه نقصا في الإمكانيات.

المهرجان، الذي يفترض أن يكون واجهة ثقافية تعكس غنى منطقة دادس وتراثها، تحول في نظر كثيرين إلى مناسبة موسمية يغلب عليها الطابع الاحتفالي والبروتوكولي، بينما تغيب الرؤية الثقافية الواضحة. فالمؤتمرات الصحفية والعروض التقديمية تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى الاستعراض منها إلى تقديم مشروع ثقافي متكامل، حتى إن بعض المتابعين يختصرون المشهد بعبارة الفرنسيين: N’importe quoi.

ومن أكثر الملفات إثارة للانتقاد استمرار إقصاء عدد من الفنانين والمبدعين المحليين، رغم أن المنطقة تزخر بأسماء تستحق أن تكون في واجهة المشهد الثقافي. فمن غير المنطقي أن يتحول مهرجان يحمل هوية محلية إلى فضاء يمنح الأولوية لأسماء خارج المنطقة، بينما يبقى أبناء بومالن دادس وتنغير على هامش البرمجة أو يحضرون كضيوف ثانويين. إن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ بدعم الطاقات المحلية، وليس باستنساخ برامج جاهزة كل سنة.

كما أن الشفافية تظل الحلقة الأضعف، فالرأي العام يحتاج إلى معرفة معايير اختيار الفنانين، وكيفية إعداد البرنامج، وحجم الميزانية، وطريقة صرف المال العام. فكل مهرجان يستفيد من دعم المؤسسات العمومية مطالب بتقديم حصيلة واضحة وقابلة للتقييم، لأن المال العمومي ليس ملكا للجنة التنظيم، بل هو حق للمواطن في معرفة كيفية تدبيره.

وإذا عدنا إلى تاريخ المهرجان، نجد أن ملاحظات الارتجال ليست جديدة، فقد سجلت تقارير إعلامية منذ الدورات الأولى اختلالات تنظيمية وتقنية، من بينها مشاكل في تدبير السهرات والصوتيات وما رافقها من انتقادات لطريقة التسيير، وهو ما يبين أن بعض الأعطاب تتكرر بدل أن تتم معالجتها.

وفي المقابل، تؤكد الجهات المنظمة في كل دورة أن المهرجان يحظى بدعم عدد من المؤسسات العمومية والشركاء، ويقدم نفسه باعتباره رافعة للتنمية الثقافية والسياحية بالمنطقة، غير أن تحقيق هذا الهدف لا يقاس بعدد المنصات أو الخيام أو البلاغات الصحفية، بل بمدى تأثير المهرجان على الفنان المحلي، وعلى الاقتصاد الثقافي، وعلى صورة المدينة، وبقدرته على التجدد والابتكار.

لقد دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المهرجانات الدولية تعتمد على التخطيط الرقمي، وتحليل بيانات الجمهور، والتواصل الاحترافي، والتقييم المستمر، بينما لا يزال مهرجان تيملسا، في نظر منتقديه، يعيد إنتاج الوصفة نفسها عاماً بعد عام، وكأن الزمن توقف عند دوراته الأولى.

إن النقد هنا ليس موجها ضد فكرة المهرجان، بل دفاعاً عنها. فبومالن دادس تستحق مهرجانا يليق بتاريخها وتراثها، مهرجاناً يكرم الفنان المحلي قبل غيره، ويعتمد الشفافية في تدبير المال العام، ويقدم برنامجاً متجدداً يواكب العصر، بدل الاكتفاء بإعادة تدوير نفس الأخطاء ونفس الخطابات ونفس الوجوه.

فالمهرجان الحقيقي ليس منصة لالتقاط الصور أو مناسبة لتبادل الخطب، بل مشروع ثقافي حي، يقاس أثره بما يتركه في ذاكرة الناس، لا بعدد الدورات التي يحملها في أرشيفه.

Exit mobile version