
لم يكد الجدل الذي رافق أشغال دورة يوليوز لمجلس جهة درعة تافيلالت يخفت، حتى عاد إلى الواجهة بشكل أكثر حدة، عقب إقدام رئيس المجلس، اهرو أبرو، على توقيع اتفاقية شراكة مع مؤسسة العمران بجهة درعة تافيلالت ومجموعة “لوماتان”، رغم أنها كانت موضوع النقطة رقم 33 من جدول أعمال الدورة الماضي لشهر يوليوز، تحت عنوان: “الدراسة والمصادقة على مشروع اتفاقية شراكة من أجل إحداث مكتبات جهوية وتنظيم ملتقيات فكرية وتواصلية بالجهة.”
وكانت هذه النقطة قد أثارت نقاشا واسعا داخل المجلس، خاصة بالنظر إلى الغلاف المالي الذي رافق المشروع، والذي ناهز 150 مليون سنتيم، قبل أن تحظى بالرفض من طرف السيدات والسادة أعضاء المجلس خلال أشغال الدورة، ما يعني أن المجلس، باعتباره السلطة التداولية، لم يتخذ أي مقرر يجيز لرئيسه إبرام هذه الاتفاقية.
ورغم ذلك، فوجئ أعضاء المجلس و الرأي العام بقيام رئيس الجهة بتوقيع الاتفاقية نفسها، الأمر الذي يثير علامات استفهام جدية حول مدى احترام مقتضيات القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، حيث أن المشرع المغربي كان واضحا عندما جعل مجلس الجهة هو صاحب الاختصاص الأصيل في التداول واتخاذ المقررات، بينما أسند لرئيس المجلس مهمة تنفيذ ما يقرره هذا الأخير وفقط.
وتنص المادة 103 من القانون التنظيمي للجهات على أن رئيس المجلس يتولى تنفيذ مداولات المجلس ومقرراته، وهو ما يفيد أن اختصاصه التنفيذي يظل مقيدا بما صادق عليه المجلس، ولا يمتد إلى اتخاذ قرارات أو إبرام اتفاقيات لم يصدر بشأنها مقرر بالموافقة، وبالتالي فإن التوقيع على اتفاقية لم يصدر في حقها مقرر موافقة من طرف أعضاء المجلس، يثير شبهة تجاوز اختصاصات المجلس، لأن رئيس الجهة لا يمكنه أن يحل محل المؤسسة التداولية أو يتجاوز إرادتها.
وفي المقابل، يبرز دور والي جهة درعة تافيلالت، باعتباره ممثل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والمكلف بممارسة الرقابة الإدارية في الحدود التي يرسمها القانون، فالمادة 67 من القانون التنظيمي للجهات تخول للوالي صلاحيات التدخل واتخاذ الإجراءات القانونية عند معاينة أفعال قد تشكل إخلالا بمقتضيات القانون التنظيمي، بما يفرض، على الأقل، مساءلة رئيس المجلس واستفساره بشأن الأساس القانوني الذي اعتمد في توقيع اتفاقية لم يصدر بشأنها مقرر بالموافقة من المجلس.
غير أن ما يزيد من غرابة الواقعة أن توقيع الاتفاقية تم أمام أنظار والي الجهة والكاتب العام للشؤون الجهوية، دون أن يصدر أي توضيح للرأي العام حول مدى احترام المساطر القانونية، وهنا تطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل اطلعت مصالح الولاية على وجود مقرر للمجلس يجيز توقيع هذه الاتفاقية؟ وإذا لم يكن هذا المقرر موجودا، فلماذا لم تتدخل سلطة المراقبة الإدارية؟ وهل أصبحت العلاقة بين مجلس الجهة والولاية تصل إلى حد التماهي، بما يجعل الرقابة المنصوص عليها قانونا مجرد إجراء شكلي؟
و يحق للرأي العام أن يتساءل عن سر صمت والي الجهة أمام ما يعتبره عدد من المتتبعين تجاوزات متكررة تنسب إلى رئيس المجلس وإدارته وبعض نوابه. وهل يتعلق الأمر باقتناع قانوني بسلامة هذه الإجراءات، أم أن هناك تساهلا غير مبرر مع حزب الأغلبية المسيرة للجهة والحزب المرتب ثانيا ؟
إن احترام دولة القانون يقتضي أن تظل المؤسسات وفية لاختصاصاتها، وأن يلتزم رئيس الجهة بتنفيذ ما يقرره المجلس، لا أن يحل محله في اتخاذ القرارات. كما يقتضي من سلطة المراقبة الإدارية أن تمارس اختصاصاتها بكل حياد، وأن توضح للرأي العام الأساس القانوني لكل إجراء يثير هذا القدر من الجدل، حفاظا على مصداقية المؤسسات وترسيخا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.