ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: اقتصاد مدينة الرشيدية المغرب سنة 2026: بوابة الجنوب الشرقي بين ثروة الواحات وهيمنة الخدمات ورهان الاستثمار المنتج

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

ليس اقتصاد المدن مجرد حصيلة لما تنتجه المصانع أو لما تتداوله الأسواق، بل هو انعكاس لموقع المدينة داخل مجالها الترابي، ولقدرتها على تحويل مواردها الطبيعية والبشرية والمؤسساتية إلى قيمة مضافة وفرص شغل واستثمارات مستدامة. ومن هذا المنطلق، تبدو مدينة الرشيدية حالة اقتصادية جديرة بالدراسة؛ فهي عاصمة جهة درعة-تافيلالت ومركز إداري وخدماتي للجنوب الشرقي المغربي، وتقع في قلب مجال واحات تافيلالت وعلى المحاور الرابطة بين مناطق فاس وميدلت شمالاً، وأرفود والريصاني ومرزوكة جنوباً، وتنغير وورزازات غرباً. غير أن هذا الموقع الاستراتيجي، على أهميته، لا يكفي وحده لصناعة قطب اقتصادي ما لم يتحول إلى شبكات إنتاج واستثمار وتثمين ولوجستيك قادرة على خلق الثروة محلياً، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي اليوم ليس: ماذا تملك الرشيدية؟ بل: كيف يمكن تحويل ما تملكه إلى اقتصاد منتج وتنافسي؟

وقبل تحليل هذا الاقتصاد، تقتضي الدقة العلمية التنبيه إلى مسألة منهجية أساسية؛ إذ لا تتوافر جميع المؤشرات الاقتصادية الرسمية على مستوى جماعة الرشيدية وحدها، بينما تنشر المندوبية السامية للتخطيط جانباً مهماً من البيانات على مستوى إقليم الرشيدية أو جهة درعة-تافيلالت. ولذلك لا يصح، من الناحية الأكاديمية، إسقاط أرقام الجهة أو الإقليم آلياً على المدينة. وعليه، فإن كل رقم يرد في هذا المقال يُقرأ وفق مستواه الترابي، بينما تُستعمل المؤشرات الإقليمية والجهوية لفهم البيئة الاقتصادية التي تتحرك داخلها عاصمة الجهة.

وتكشف أحدث الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط، الخاصة بسنة 2024 والمنشورة في يوليوز 2026، أن الناتج الداخلي الخام لجهة درعة-تافيلالت بلغ حوالي 48.223 مليار درهم بالأسعار الجارية، مقابل 42.260 مليار درهم سنة 2023، لترتفع مساهمة الجهة في الناتج الداخلي الخام الوطني من 2.8 في المائة إلى 3 في المائة. كما سجل اقتصاد الجهة نمواً حقيقياً بلغ 6.2 في المائة خلال سنة 2024، وهي وتيرة تجاوزت النمو الوطني البالغ 4.4 في المائة، وكان من بين محركاتها الرئيسية النشاط القوي لقطاع البناء. ومع ذلك، يظل الناتج الداخلي الخام للفرد، البالغ 29,115 درهماً في الجهة، أدنى بوضوح من المتوسط الوطني البالغ 43,891 درهماً، وهو ما يعكس استمرار فجوة في خلق الثروة بين درعة-تافيلالت والمراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة. وتفيد الحسابات نفسها بأن الأنشطة الثالثية تمثل 52.5 في المائة من الناتج الجهوي، مقابل 19.3 في المائة للقطاع الأولي و19.4 في المائة للقطاع الثانوي، بما يؤكد الثقل الكبير للخدمات داخل البنية الاقتصادية للجهة. (المصدر: المندوبية السامية للتخطيط، الحسابات الجهوية 2024).

وتتجسد هذه البنية بصورة أوضح عند الانتقال إلى إقليم الرشيدية. فوفق عملية خرائطية المؤسسات الاقتصادية 2023-2024 التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط، أحصي بالإقليم 11,821 مؤسسة اقتصادية هادفة للربح خارج القطاع الفلاحي، منها 6,860 مؤسسة تجارية و3,076 مؤسسة للخدمات و1,251 مؤسسة صناعية و634 مؤسسة في البناء. وبلغ مجموع المشتغلين الدائمين بهذه المؤسسات 18,808 أشخاص؛ منهم 8,455 في التجارة و7,427 في الخدمات و2,164 في الصناعة و762 في البناء. والأكثر دلالة أن 9,649 مؤسسة من أصل 11,821 تشغل شخصاً واحداً فقط، وهو ما يبرز هيمنة الوحدات الاقتصادية المتناهية الصغر على النسيج الإنتاجي المحلي. وهذه الأرقام لا تعني ضعف المبادرة الاقتصادية، لكنها تكشف أن الاقتصاد الإقليمي يحتاج إلى الانتقال من كثرة الوحدات الصغيرة ذات القدرة التشغيلية المحدودة إلى مقاولات قادرة على الاستثمار والتوسع والتصنيع والتصدير وخلق سلاسل قيمة أطول. (المصدر: المندوبية السامية للتخطيط، خرائطية المؤسسات الاقتصادية 2023-2024، مارس 2025).

وبحكم كون الرشيدية عاصمة للجهة، يؤدي القطاع الإداري والعمومي دوراً محورياً في دورتها الاقتصادية. فتمركز المصالح اللاممركزة والمؤسسات العمومية والمرافق الصحية والتعليمية والقضائية والمالية يجعل المدينة تستقبل يومياً مرتفقين وطلبة ومهنيين وقادمين من محيط إقليمي وجهوي واسع، بما ينعكس على التجارة والسكن والنقل والمطاعم والمهن الحرة والخدمات البنكية والاتصالات. وهذه الوظيفة الإدارية منحت المدينة قدراً مهماً من الاستقرار الاقتصادي، لكنها تطرح في الوقت ذاته إشكالاً هيكلياً: فالاقتصاد الذي تعتمد حركته بدرجة كبيرة على الأجور العمومية والاستهلاك والخدمات يبقى أقل قدرة على توليد الثروة الجديدة من اقتصاد يقوم أيضاً على الصناعة والتحويل والتكنولوجيا والتصدير.

ومن هنا تبرز الفلاحة الواحاتية باعتبارها أحد أهم روافد الاقتصاد الحقيقي في المحيط الإقليمي للرشيدية. ولا يتعلق الأمر بمدينة الرشيدية حصراً، بل بمنظومة تافيلالت الممتدة حولها، حيث يشكل النخيل والتمور نشاطاً اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً استراتيجياً. وقد أعلنت وزارة الفلاحة، بمناسبة الدورة الرابعة عشرة للملتقى الدولي للتمر بالمغرب بأرفود في أكتوبر 2025، أن الإنتاج الوطني المتوقع برسم الموسم الفلاحي 2025-2026 يتجاوز 160 ألف طن من التمور، بارتفاع قدره 55 في المائة مقارنة بالموسم السابق، وأن جهة درعة-تافيلالت تستحوذ على حوالي 76 في المائة من الإنتاج الوطني. كما تفيد المعطيات الرسمية بأن سلسلة النخيل على الصعيد الوطني يمكن أن تحقق رقم معاملات سنوياً يصل إلى ملياري درهم وتولد نحو 3.6 ملايين يوم عمل. وهذه المؤشرات توضح أن الرهان الاقتصادي بالنسبة للرشيدية لا ينبغي أن يكون في زيادة الإنتاج الخام فقط، وإنما في استقطاب أكبر حصة ممكنة من القيمة التي تتولد بعد جني المحصول.

فالتمرة التي تغادر المنطقة في شكل منتوج فلاحي خام تخلق قيمة محدودة مقارنة بتمرة تدخل إلى وحدة للفرز والتبريد والمعالجة والتعبئة وتحمل علامة تجارية وتصل إلى شبكات التوزيع أو التصدير. ومن ثم تستطيع الرشيدية أن تجعل من موقعها الإداري والجغرافي منصة لصناعات مرتبطة بالتمور تشمل التلفيف والتخزين المبرد والعجائن والدبس والخل والمساحيق والمشتقات الغذائية والتجميلية، إلى جانب النباتات العطرية والطبية والمنتجات المجالية الأخرى. وهنا تحديداً ينتقل الاقتصاد من منطق بيع المادة الأولية إلى منطق بيع القيمة المضافة، وهو انتقال أساسي إذا أريد للفلاحة أن تخلق فرص عمل للشباب خارج الحقل نفسه.

غير أن اقتصاد الواحة محكوم قبل كل شيء بمعادلة الماء. فندرة الموارد المائية وتوالي فترات الجفاف وارتفاع الضغط على المياه الجوفية ليست قضايا بيئية منفصلة عن الاقتصاد، وإنما تمس مباشرة استمرارية الاستثمار الزراعي والسياحي والعمراني. ويكتسب سد الحسن الداخل أهمية استراتيجية في منظومة حوض زيز، لكن المنشآت المائية وحدها لا يمكن أن تعوض ضرورة ترشيد الاستعمال وتحسين مردودية شبكات الري واستعمال التقنيات المقتصدة للماء وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة حيثما أمكن ذلك. ومن الناحية القانونية، يؤطر القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء تدبير الموارد المائية وحمايتها، مما يجعل الأمن المائي جزءاً من الأمن الاقتصادي للمنطقة، ويعني أن أي تصور تنموي للرشيدية لا يضع الماء في مقدمة شروط الاستثمار يبقى تصوراً ناقصاً مهما كانت جاذبية المشاريع المقترحة.

وبالتوازي مع الواحات، تملك الرشيدية فرصة مهمة في الاقتصاد السياحي، لكنها لا تزال مطالبة بتحويل موقعها من مجرد بوابة عبور نحو أرفود والريصاني ومرزوكة وواحات زيز إلى وجهة تحقق داخلها الإقامة والإنفاق وخلق فرص العمل. ويقدم النقل الجوي مؤشراً مشجعاً؛ فقد استقبل مطار مولاي علي الشريف خلال سنة 2025 ما مجموعه 121,567 مسافراً، مقابل 97,114 سنة 2024، أي بزيادة قدرها 25.18 في المائة بحسب معطيات المكتب الوطني للمطارات. واستمرت الدينامية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، إذ بلغ عدد المسافرين 31,849 مسافراً، بزيادة تتجاوز 20 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من 2025. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حركة المطار في حد ذاتها، وإنما في قدرة الاقتصاد المحلي على تحويل كل مسافر إلى طلب على الفندق والمطعم والنقل والمنتج الثقافي والصناعة التقليدية والخدمات.

والواقع أن القيمة الاقتصادية للسائح لا تقاس فقط بوصوله إلى المطار، بل بعدد الليالي التي يقضيها في المدينة وبحجم مشترياته واستهلاكه للخدمات المحلية. ولذلك تحتاج الرشيدية إلى منتج سياحي حضري خاص بها يكمل العرض الصحراوي ولا ينافسه؛ من خلال تثمين التراث المعماري والواحي والثقافي، وتشجيع سياحة المؤتمرات والملتقيات والسياحة البيئية والعلمية، وإدماج المدينة في مسارات تبدأ منها أو تنتهي فيها بدل أن تمر بها فقط. فمرزوكة وأرفود والريصاني ليست منافسة للرشيدية، بل تشكل معها منظومة سياحية واحدة، وكلما طال بقاء الزائر داخل هذه المنظومة زادت القيمة الاقتصادية التي تحتفظ بها المنطقة.

أما في مجال الصناعة، فإن المعطيات الرسمية تبرهن على وجود قاعدة من المؤسسات، لكنها تؤكد في الوقت نفسه محدودية وزنها التشغيلي مقارنة بالتجارة والخدمات. وهذا يدعو إلى عدم البحث بالضرورة عن نموذج الصناعات الثقيلة الذي يميز بعض الأقطاب الساحلية، بل عن صناعة متلائمة مع الخصوصيات الترابية: الصناعات الغذائية، وتثمين المنتجات الواحية، ومواد البناء، والصناعات الخفيفة، والتعبئة والتغليف، وإعادة التدوير، وخدمات الصيانة، والطاقات المتجددة، والحلول المرتبطة بالكفاءة المائية والطاقية. كما يمكن للمدينة استغلال استقرارها ووجود مؤسسات التعليم والتكوين بها لاستقطاب أنشطة لا ترتبط بالمسافة عن الموانئ، مثل مراكز الخدمات عن بعد، والمحاسبة والمالية، ومراكز النداء، والخدمات الرقمية، والبرمجة وبعض وظائف التعهيد.

وينبغي هنا التمييز بين الثروات الموجودة داخل المدينة وبين تلك الموجودة في الجهة. فوجود أنشطة معدنية مهمة في بعض أقاليم درعة-تافيلالت أو المشاريع الكبرى للطاقة الشمسية بورزازات لا يجعلها آلياً جزءاً من اقتصاد مدينة الرشيدية. القيمة الاقتصادية الحقيقية للرشيدية ستتحقق إذا استطاعت استقطاب جزء من الخدمات المرتبطة بهذه القطاعات، كالدراسات والهندسة والتكوين والنقل والتوريد والصيانة والخدمات المالية، أو تطوير مشاريع طاقية خاصة بها تتلاءم مع مواردها وحاجياتها. وهذه الدقة ضرورية لأن التنمية الترابية لا تبنى بتجميع إنجازات الجهة تحت اسم عاصمتها، وإنما بقياس ما تنتجه المدينة فعلياً وما تستطيع استقطابه من سلاسل القيمة الجهوية.

ومن المنظور القانوني والمؤسساتي، أصبحت للرؤية الاقتصادية الترابية أرضية أقوى مما كانت عليه سابقاً. فالمادة 80 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات أناطت بالجهة مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة، بما يشمل تحسين جاذبية المجال وتقوية تنافسيته الاقتصادية، والاستعمال الأمثل للموارد الطبيعية وتثمينها والحفاظ عليها، واتخاذ التدابير المشجعة للمقاولة وتيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل. وبالتالي لم تعد التنمية الاقتصادية الجهوية مجرد سياسة اختيارية، بل أصبحت اختصاصاً مؤطراً قانوناً ينبغي أن يترجم إلى برامج ومشاريع ومؤشرات قابلة للتقييم.

ويتعزز هذا الإطار بصدور القانون-الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، الذي جعل من تقليص الفوارق الترابية وخلق فرص الشغل المستقرة وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية وتحسين مناخ الأعمال أهدافاً صريحة لسياسة الدولة. والأهم بالنسبة لإقليم الرشيدية أن خريطة الدعم الترابي للنظام الرئيسي للاستثمار تضعه ضمن الفئة «ب» المؤهلة لمنحة ترابية بنسبة 15 في المائة بالنسبة للمشاريع المستوفية للشروط القانونية والتنظيمية للنظام. وهذه ميزة ينبغي ألا تبقى مجرد مقتضى قانوني معروف لدى المتخصصين، بل يجب تحويلها إلى أداة فعلية للتسويق الترابي أمام المستثمرين المغاربة والأجانب.

وتكتسي سنة 2025 في هذا المجال دلالة خاصة، إذ اختارت الحكومة مدينة الرشيدية يوم 11 نونبر 2025 لإطلاق النظام الخاص بدعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تنفيذاً لميثاق الاستثمار. وهذا الاختيار يحمل دلالة اقتصادية تتجاوز الطابع الرمزي، لأن النسيج المحلي نفسه، كما أظهرت خرائطية المؤسسات الاقتصادية، يتكون أساساً من الوحدات الصغيرة جداً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فقط تشجيع إنشاء المزيد من المقاولات، بل مساعدتها على تجاوز مرحلة النشاط الفردي نحو الاستثمار المنظم، والتمويل، والرقمنة، والتوظيف، والتعاقد، والوصول إلى الأسواق.

وفي المقابل، يبقى فك العزلة وتحسين الربط الاقتصادي أحد الشروط الأساسية لزيادة الجاذبية الاستثمارية. فالمدينة تستفيد من شبكة طرقية تربطها بمحاور الشمال والجنوب الشرقي ومن مطار يعرف نمواً ملحوظاً، لكنها لا ترتبط حالياً بالشبكة السككية. ومن الضروري هنا تصحيح إحدى المعلومات التي تتكرر أحياناً في النقاش العمومي: لا يصح تقديم خط فائق السرعة فاس-الرشيدية باعتباره مشروعاً مقرراً أو ورشاً مصادقاً عليه بناء على البرامج الرسمية المنشورة إلى حدود سنة 2026؛ فالورش فائق السرعة الذي أطلقه المكتب الوطني للسكك الحديدية رسمياً في 24 أبريل 2025 هو خط القنيطرة-مراكش على امتداد يقارب 430 كيلومتراً، ضمن برنامج تطوير الشبكة في أفق 2030. لذلك فإن الرؤية الواقعية للرشيدية ينبغي أن تنطلق من تطوير الربط الطرقي والجوي واللوجستي القائم، مع الدفاع مستقبلاً عن خيارات سككية متى دخلت فعلياً مرحلة البرمجة الرسمية.

ويظل العنصر البشري في نهاية المطاف المحدد الأول لنجاح أي تحول اقتصادي. فالمدينة لا تحتاج فقط إلى مشاريع للبناء والعقار، وإنما إلى اقتصاد قادر على استيعاب خريجي الجامعات ومؤسسات التكوين وتحويل المعرفة إلى نشاط منتج. ولذلك ينبغي أن ترتبط التخصصات التعليمية والتكوينية بصورة أوثق بحاجيات المنطقة في الصناعات الغذائية، وإدارة الماء، والطاقات المتجددة، والسياحة، والرقمنة، والتدبير المالي، واللوجستيك وريادة الأعمال. كما ينبغي أن تتحول المؤسسات الجامعية إلى فضاءات للحاضنات والمشاريع والبحث التطبيقي، لأن المدينة التي تُكوّن الشباب ثم تعجز عن توفير فرص اقتصادية لهم تكون عملياً بصدد تصدير رأسمالها البشري إلى مدن أخرى.

ولا يقل عن ذلك أهمية الدور الممكن لمغاربة العالم المنحدرين من الرشيدية وتافيلالت. فالتحويلات المالية والاستثمار في العقار والسكن تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، لكن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال إلى تعبئة جزء أكبر من هذه الأموال في المشاريع المنتجة؛ عبر وحدات للتثمين، ومشاريع سياحية، وشركات خدمات رقمية، ومقاولات للتصدير، واستثمارات في الاقتصاد الأخضر. ولا يتحقق ذلك بمجرد الدعوة إلى الاستثمار، بل بتوفير عرض ترابي واضح يشمل العقار والتراخيص والمعلومة والتمويل والمواكبة والآجال والمسؤول الإداري المختص، أي الانتقال من منطق «البحث عن المستثمر» إلى منطق إعداد التراب لاستقبال المستثمر.

إن التحدي الأكبر أمام اقتصاد الرشيدية ليس ندرة الفرص، وإنما تشتتها وعدم اكتمال حلقاتها. فالتمور موجودة، لكن المطلوب توسيع صناعاتها التحويلية؛ والسائح يصل إلى المطار، لكن المطلوب الاحتفاظ بجزء أكبر من إنفاقه داخل المدينة؛ والشباب يتكون، لكن المطلوب توفير المقاولات التي تستوعب كفاءاته؛ والشمس مورد طبيعي متاح، لكن المطلوب تحويلها إلى حلول للطاقة والإنتاج؛ وموقع المدينة استراتيجي، لكن المطلوب تحويله إلى وظيفة لوجستيكية؛ ومقتضيات ميثاق الاستثمار محفزة، لكن المطلوب تحويلها إلى ملفات استثمارية فعلية.

وعليه، فإن مستقبل اقتصاد الرشيدية لا ينبغي أن يبنى على توسيع العمران والاستهلاك وحدهما، بل على انتقال واضح من اقتصاد إداري-تجاري يعتمد على التداول إلى اقتصاد ترابي ينتج القيمة المضافة. وهذا يمر عبر تثمين سلاسل التمور والمنتجات المجالية، وتقوية الصناعة الغذائية، وتطوير السياحة الحضرية والواحاتية، وتحسين الخدمات اللوجستيكية والرقمية، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وربط الاستثمار بحماية الماء والواحات، وجعل الجامعة والتكوين شريكاً مباشراً في التنمية.

إن الرشيدية لا ينقصها التاريخ ولا الموقع ولا الثروات الطبيعية ولا الرأسمال البشري؛ ما تحتاجه هو قدرة أكبر على جمع هذه العناصر داخل منظومة اقتصادية واحدة. وإذا نجحت السياسات العمومية والجهوية والمحلية والقطاع الخاص في تحقيق هذا الالتقائية، فإن المدينة تستطيع أن تتجاوز تدريجياً وظيفة العاصمة الإدارية لدرعة-تافيلالت، لتصبح قطباً للخدمات والتثمين والاستثمار والسياحة والاقتصاد الأخضر، وعندها فقط يصبح وصفها بـ «بوابة الجنوب الشرقي الاقتصادية للمغرب» وصفاً لواقع إنتاجي قائم، لا مجرد تعبير جغرافي جميل.

Exit mobile version