ذ. سليماني مولاي عبد الله يكتب: ثورة الملك والشعب: 20 غشت 1953 إلى 2026

بقلم الأستاذ سليماني مولاي عبد الله

ليست ذكرى ثورة الملك والشعب مجرد مناسبة وطنية تتكرر في التقويم المغربي كل سنة، وليست كذلك مجرد استحضار لواقعة نفي السلطان محمد الخامس في صيف سنة 1953؛ إنها واحدة من أكثر اللحظات كثافة في تاريخ المغرب الحديث، لأنها تختزل في حدث واحد صراعاً سياسياً ووطنياً حول الشرعية والسيادة، وتكشف كيف تحوّل قرار استعماري كان يراد منه إضعاف الحركة الوطنية وفصل السلطان عن شعبه إلى عامل أدى، على العكس من ذلك، إلى توسيع المقاومة وتسريع الطريق نحو الاستقلال.

في 20 غشت 1953، أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على عزل السلطان سيدي محمد بن يوسف، محمد الخامس لاحقاً، ونفيه خارج المغرب، بعدما تصاعد التوتر بين سلطات الحماية والحركة الوطنية حول مستقبل البلاد وحدود السلطة الاستعمارية. ولم يكن ذلك القرار منفصلاً عن سياق سياسي سبقته سنوات من المطالبة بالإصلاح والسيادة؛ فوثائق دبلوماسية أمريكية تعود إلى سنة 1953 توثق مطالب وطنية مغربية شملت رفع حالة الحصار، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإنهاء الرقابة على الصحافة، وضمان حرية التجمع والحركة، وفتح مفاوضات حول مستقبل العلاقة مع فرنسا.

كان الهدف السياسي من إبعاد محمد الخامس واضحاً في حسابات سلطات الحماية: إضعاف مركز الشرعية الذي أصبح السلطان يجسده بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المغاربة، وإيجاد صيغة سياسية بديلة تسمح باستمرار السيطرة الفرنسية بأقل قدر من المقاومة. ولذلك جرى تنصيب محمد بن عرفة سلطاناً مكان محمد الخامس. غير أن التطورات اللاحقة أثبتت أن نقل السلطان من البلاد لم ينقل معه شرعيته، وأن محاولة الفصل بين العرش والشعب انتهت عملياً إلى تعميق الارتباط بينهما.

لقد دخل المغرب بعد 20 غشت 1953 مرحلة جديدة من المقاومة السياسية والميدانية. واتسعت دائرة الرفض في المدن والقرى، وتنامت العمليات التي استهدفت مصالح سلطات الحماية، وأصبحت قضية عودة محمد الخامس جزءاً مركزياً من المطالب الوطنية. وفي هذا السياق، لم تعد القضية مقتصرة على إصلاحات داخل نظام الحماية، بل أخذت تتحول بصورة متزايدة إلى قضية استعادة السيادة الوطنية.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن الأحداث لم تكن منعزلة عن محيط دولي كان يشهد انهيار النظام الاستعماري التقليدي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كانت حركات التحرر الوطني تتقدم في آسيا وإفريقيا، وكانت قضية تقرير المصير تتخذ مكاناً متزايداً في الخطاب الدولي. أما المغرب، فكان يعيش وضعاً أكثر تعقيداً بسبب نظام الحماية الذي فرضته معاهدة فاس سنة 1912، ثم تطور لاحقاً إلى واقع متعدد المناطق والنفوذ الفرنسي والإسباني، فضلاً عن الوضع الدولي الخاص بطنجة.

وفي قلب هذا التحول ظل محمد الخامس حاضراً، رغم وجوده خارج البلاد. فقد نُقل أولاً إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، وفق وثائق الخارجية الأمريكية التي توثق بوضوح واقعة نفيه إلى مدغشقر. وبذلك تحولت صورة السلطان المنفي إلى رمز سياسي يتجاوز شخصه، ليصبح عنواناً لاستمرار المطالبة بالشرعية والسيادة.

ولم تكن المقاومة الوطنية في تلك المرحلة عملاً فردياً أو حدثاً محدوداً، بل تشكلت من تيارات سياسية وشعبية ومقاومة مسلحة وشبكات اجتماعية مختلفة. وقد ساهمت الأحزاب الوطنية، وفي مقدمتها حزب الاستقلال، إلى جانب مجموعات المقاومة والفعاليات الوطنية، في إبقاء قضية الاستقلال وعودة محمد الخامس في صدارة المشهد السياسي.

ومع اشتداد الأزمة، بدأت فرنسا تدرك أن استمرار الوضع القائم أصبح مكلفاً سياسياً وأمنياً. وتكشف الوثائق الدبلوماسية الأمريكية المتعلقة بالمرحلة الانتقالية أن مفاوضات إيكس ليبان في أغسطس 1955 شكلت منعطفاً أساسياً، وأن الترتيبات التي تم التوصل إليها مهدت الطريق لعودة محمد الخامس؛ كما تشير الوثائق إلى أن محمد بن عرفة غادر الرباط في أكتوبر 1955، قبل أن يعود محمد الخامس إلى العاصمة في 16 نونبر 1955.

وكانت عودة محمد الخامس لحظة سياسية وشعبية حاسمة. فبعد أكثر من عامين على نفيه، عاد السلطان إلى المغرب وسط استقبال جماهيري واسع، لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت فيها البلاد من المقاومة ضد نظام الحماية إلى التفاوض المباشر حول الاستقلال وبناء الدولة الوطنية.

ولم يتأخر التحول القانوني والسياسي كثيراً؛ ففي 2 مارس 1956 أعلنت فرنسا اعترافها باستقلال المغرب في إطار الإعلان الفرنسي المغربي، وهو التاريخ الذي تؤكده وثائق رسمية أمريكية معاصرة للحدث. وبعد خمسة أيام، في 7 مارس 1956، أعلنت الولايات المتحدة رسمياً تهنئتها للمغرب بمناسبة الاعتراف باستقلاله، معتبرة المغرب دولة ذات سيادة.

وهنا تظهر أهمية التسلسل الزمني: 20 غشت 1953، نفي محمد الخامس؛ 16 نونبر 1955، عودته إلى المغرب؛ 2 مارس 1956، اعتراف فرنسا باستقلال المغرب؛ 7 مارس 1956، اعتراف الولايات المتحدة بالاستقلال. هذه التواريخ لا تحتاج إلى الأساطير حتى تبرز قوة الحدث؛ فالوثائق الدولية نفسها تكشف أن أقل من ثلاث سنوات فصلت بين محاولة إبعاد السلطان وبين الاعتراف باستقلال المغرب.

ومن الخطأ، من منظور تاريخي، اختزال ثورة الملك والشعب في علاقة عاطفية بين ملك وشعب فحسب؛ فهي كانت أيضاً مواجهة سياسية حول مفهوم الشرعية الوطنية. فقد اعتقدت سلطات الحماية أن تغيير السلطان يمكن أن يغيّر اتجاه المجتمع، لكن التطورات أظهرت أن الشرعية لم تكن مجرد منصب إداري يمكن نقله بقرار استعماري، وإنما كانت مرتبطة بعلاقة تاريخية وسياسية بين المؤسسة الملكية والمجتمع المغربي.

وتؤكد الوثائق الأمريكية نفسها أن محمد بن عرفة لم يحظ بالقبول الشعبي الذي كانت سلطات الحماية تراهن عليه، وأن عزله لمحمد الخامس ساهم في تعميق أزمة الثقة بين فرنسا والحركة الوطنية. وبذلك أصبح القرار الاستعماري، paradoxically، سبباً في تعزيز القضية التي كان يراد إضعافها.

كما أن استقلال المغرب لم يكن حدثاً معزولاً عن التحولات الدولية؛ فالمغرب كان يتحرك داخل بيئة دولية تتغير بسرعة، وكانت الولايات المتحدة تتابع تطورات شمال إفريقيا عن قرب. وتظهر وثائق الخارجية الأمريكية أن واشنطن كانت تعتبر الاعتراف باستقلال المغرب جزءاً من التحول الذي عرفته المنطقة، وأنها هنأت محمد الخامس والحكومة المغربية عقب إعلان 2 مارس 1956.

وإذا كان استقلال سنة 1956 قد وضع حداً للمرحلة الأساسية من نظام الحماية الفرنسية، فإن استكمال بناء السيادة الوطنية ظل مساراً ممتداً. فقد كانت هناك قضايا مرتبطة بالمناطق الخاضعة سابقاً للنفوذ الإسباني، ووضع طنجة، وترتيبات الوجود العسكري الأجنبي، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية. وتوضح وثائق تلك المرحلة أن المغرب المستقل دخل منذ البداية في مفاوضات مع القوى الأجنبية لإعادة تنظيم العلاقات على أساس السيادة الجديدة.

لهذا فإن ثورة الملك والشعب لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الماضي، بل باعتبارها درساً في كيفية صناعة التحولات التاريخية. فالاستعمار امتلك الإدارة والقوة العسكرية وأدوات الضغط، لكنه لم يستطع أن يصنع شرعية بديلة عن الإرادة الوطنية. وفي المقابل، استطاعت الحركة الوطنية والمقاومة والشعب والعرش أن تحول أزمة سياسية خانقة إلى مسار انتهى باستعادة الاستقلال.

إن القيمة الحقيقية لذكرى 20 غشت تكمن، إذن، في استحضار معنى التلاحم الوطني بعيداً عن القراءات السطحية. فقد كان الوطن في تلك المرحلة أمام سؤال وجودي: هل يستطيع نظام الحماية أن يفصل الدولة عن المجتمع، والسلطان عن الشعب، والسيادة عن القرار الوطني؟ وكانت الإجابة التي جاءت من الشارع المغربي ومن تطور الأحداث السياسية واضحة: إن تغيير الأشخاص لا يغيّر بالضرورة إرادة الشعوب.

وبعد أكثر من سبعة عقود، تظل سنة 1953 نقطة مركزية في الذاكرة الوطنية المغربية، ليس لأنها شهدت فقط نفي محمد الخامس، وإنما لأنها كشفت أن قراراً استعمارياً كان يستهدف إعادة ترتيب السلطة انتهى إلى تقوية التعبئة الوطنية. ومن هنا اكتسب يوم 20 غشت اسمه التاريخي: ثورة الملك والشعب، أي الثورة التي تداخل فيها الدفاع عن الشرعية مع النضال من أجل السيادة والاستقلال.

إن الأجيال الجديدة مطالبة اليوم بقراءة هذه المرحلة بالوثيقة لا بالشعار، وبالتاريخ لا بالأسطورة، وبالأرقام والتواريخ لا بالروايات غير الموثقة. فالمغرب الذي يحتفل في 20 غشت 2026 بمرور 73 سنة على نفي محمد الخامس، يستحضر مرحلة لم تكن سهلة ولا قصيرة، وإنما كانت نتيجة تراكم سياسي ومقاوم انتهى بعودة الملك، ثم الاعتراف باستقلال البلاد سنة 1956.

وهكذا، فإن المسافة بين 20 غشت 1953 و2 مارس 1956 ليست مجرد مسافة زمنية تقل عن ثلاث سنوات، بل هي مسار كامل انتقل فيه المغرب من صدمة النفي إلى استعادة الشرعية، ومن تصاعد المقاومة إلى التفاوض، ومن نظام الحماية إلى الدولة المستقلة. وفي هذا المعنى، تظل ثورة الملك والشعب واحدة من أبرز الصفحات التي تروي كيف يمكن لإرادة شعبية متماسكة أن تحول لحظة قهر إلى نقطة انطلاق نحو الاستقلال.

Exit mobile version