
تستعد دار الابتكار للطباعة والنشر والتوزيع لإصدار مؤلف علمي جديد للدكتور يونس مليح، يحمل عنوان: «جبايات الجماعات الترابية بالمغرب: من التأطير القانوني إلى الحكامة المالية والتنمية الترابية»، في عمل أكاديمي يسلط الضوء على واحد من أكثر المواضيع ارتباطا بمسار اللامركزية والحكامة الترابية بالمغرب، ويتقاطع بشكل مباشر مع رهانات تعزيز الاستقلال المالي للجماعات الترابية ودعم قدرتها على تحقيق التنمية المحلية.
ويأتي هذا الإصدار في سياق تتزايد فيه أهمية المالية الترابية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لإنجاح ورش اللامركزية، بالنظر إلى أن قدرة الجماعات الترابية على ممارسة اختصاصاتها والوفاء بالتزاماتها التنموية تظل مرتبطة، إلى حد كبير، بمدى توفرها على موارد مالية كافية ومستدامة، وبفعالية آليات تدبير هذه الموارد وتحصيلها.
ومن هذا المنطلق، يقارب الكتاب موضوع الجبايات الترابية من زاوية قانونية ومالية متكاملة، سعيا إلى تقديم قراءة معمقة لمختلف الإشكالات المرتبطة بالمنظومة الجبائية للجماعات الترابية، بدءًا من الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر لها، مرورا بآليات تدبير وتحصيل الموارد، وصولا إلى مدى انعكاس هذه المنظومة على الاستقلال المالي والقدرة التنموية للجماعات الترابية.
من النص القانوني إلى واقع التدبير المالي
لا يقتصر المؤلف على استعراض المقتضيات القانونية المنظمة للجبايات الترابية، وإنما يسعى إلى الانتقال من دراسة النصوص إلى مساءلة واقع الممارسة وآليات التدبير، من خلال التوقف عند التحديات التي تواجه تعبئة الموارد الجبائية وتحسين مردوديتها.
ويطرح الكتاب، في هذا السياق، مجموعة من القضايا المرتبطة بفعالية التحصيل، ونجاعة التدبير المالي، ومدى قدرة الجماعات الترابية على استثمار إمكاناتها الجبائية بما يضمن موارد أكثر انتظامًا واستدامة.
وتكتسي هذه الإشكالات أهمية خاصة في ظل تنامي حجم وانتظارات المواطنين من الجماعات الترابية، واتساع الأدوار المنوطة بها في مجالات التنمية والخدمات العمومية المحلية، وهو ما يجعل من توفير موارد مالية كافية وحسن تدبيرها شرطًا أساسيا لتعزيز فعالية التدخل الترابي.
الجباية الترابية في صلب الحكامة المالية
ويولي المؤلف أهمية خاصة للعلاقة القائمة بين الجباية الترابية والحكامة المالية، باعتبار أن تطوير الموارد لا يرتبط فقط برفع حجم المداخيل، وإنما كذلك بمدى اعتماد مبادئ الشفافية والنجاعة والفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا الإطار، يفتح الكتاب النقاش حول ضرورة تطوير أساليب تدبير الموارد الجبائية، وتحسين آليات التحصيل، والارتقاء بجودة الإدارة المالية المحلية، بما يساهم في بناء نموذج أكثر نجاعة واستدامة للحكامة الترابية.
كما يستحضر المؤلف مسألة العدالة المجالية باعتبارها أحد الأبعاد الأساسية للسياسات العمومية الترابية، إذ إن تفاوت الإمكانات والموارد بين الجماعات الترابية يطرح تحديات حقيقية أمام تحقيق تنمية متوازنة وتقليص الفوارق المجالية.
الرقمنة والتحول التكنولوجي.. رهانات جديدة للجباية الترابية
ومن بين الجوانب التي تمنح المؤلف راهنيته، انفتاحه على التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية والمالية العامة، ولا سيما في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والرقمنة.
فقد أصبحت الرقمنة عنصرا متزايد الأهمية في تحديث الإدارة وتطوير طرق تدبير الموارد، بما في ذلك المجال الجبائي، من خلال ما توفره الأنظمة الرقمية من إمكانات لتحسين عمليات التتبع والتحصيل، وتسهيل الولوج إلى المعلومة، والحد من بعض الاختلالات المرتبطة بالتدبير التقليدي.
وفي هذا السياق، يكتسب النقاش حول مستقبل الجبايات الترابية بعدا جديدا، لا يرتبط فقط بالإطار القانوني والمؤسساتي، وإنما كذلك بمدى قدرة الجماعات الترابية على توظيف التكنولوجيا والابتكار الإداري لتطوير أدائها المالي وتعزيز علاقتها بالمرتفقين.
نحو مالية ترابية أكثر استقلالا ونجاعة
ويشكل موضوع الاستقلال المالي للجماعات الترابية أحد المحاور الأساسية التي يثيرها المؤلف، بالنظر إلى ارتباط الاستقلال الفعلي في ممارسة الاختصاصات بمدى توفر الجماعات على موارد مالية تمكنها من تنفيذ برامجها ومشاريعها.
ومن ثم، فإن إصلاح الجبايات الترابية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مسألة تقنية محضة، بل باعتباره جزءا من ورش أوسع يتعلق بمستقبل اللامركزية وبناء حكامة ترابية قادرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.
ويقدم الكتاب، في هذا الإطار، مادة علمية تساهم في فهم واقع الجبايات المحلية وإشكالاتها، مع فتح المجال أمام التفكير في سبل تطويرها وجعلها أكثر انسجامًا مع متطلبات التنمية الترابية المستدامة.
مؤلف يجمع بين القانون والمالية والحكامة
ويكتسي الكتاب أهمية إضافية بالنظر إلى الخلفية الأكاديمية والبحثية لمؤلفه، الدكتور يونس مليح، الأستاذ المحاضر المؤهل بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، بكلية العلوم القانونية والسياسية بالرشيدية، ومدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية، ومدير مجلة براق الدولية للدراسات القانونية والاقتصادية.
وينصب اهتمام الدكتور يونس مليح الأكاديمي والبحثي على مجموعة من المجالات، في مقدمتها القانون العام، والمالية العامة، والقانون الجبائي، والحكامة الإدارية والمالية، إلى جانب اهتمامه بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطبيقاتهما في المجالات القانونية والإدارية والمالية.
كما يساهم في تأطير البحث العلمي والمشاركة في الندوات والملتقيات والمؤتمرات الأكاديمية، بما يعكس انخراطه في النقاش العلمي المرتبط بتطوير الدراسات القانونية والمالية والإدارية.
إضافة منتظرة إلى المكتبة القانونية والمالية المغربية
ومن المنتظر أن يكون مؤلف «جبايات الجماعات الترابية بالمغرب: من التأطير القانوني إلى الحكامة المالية والتنمية الترابية» متاحا قريبا في عدد من المكتبات ونقاط البيع، ضمن الإصدارات الجديدة لدار الابتكار للطباعة والنشر والتوزيع.
ويرتقب أن يشكل هذا العمل إضافة نوعية إلى المكتبة القانونية والمالية المغربية، بالنظر إلى أهمية الموضوع الذي يتناوله، وارتباطه المباشر بمسار تطوير الحكامة الترابية وتعزيز فعالية المالية المحلية.
كما ينتظر أن يجد الكتاب صدى لدى الباحثين والأكاديميين وطلبة القانون والعلوم السياسية والمالية، والمهتمين بالجماعات الترابية والإدارة العمومية، والفاعلين في مجال الحكامة والتنمية المحلية، باعتباره مادة علمية تساهم في تعميق النقاش حول واقع الجبايات الترابية وآفاق إصلاحها.
وفي ظل التحولات التي يعرفها النموذج الترابي بالمغرب، وما يرافقها من رهانات مرتبطة بالاستقلال المالي والعدالة المجالية والرقمنة وجودة الخدمات العمومية، يبدو موضوع الكتاب أكثر راهنية من أي وقت مضى؛ إذ إن بناء جماعات ترابية قادرة على القيام بأدوارها التنموية يظل مرتبطا بمدى قدرتها على تعبئة مواردها وتدبيرها بكفاءة وشفافية وفعالية.
وبذلك، لا يقدم المؤلف قراءة في الجباية الترابية باعتبارها مجرد منظومة من القواعد القانونية والموارد المالية، وإنما يضعها في إطار أوسع يتصل بالحكامة والتنمية والاستقلال المالي ومستقبل اللامركزية، بما يجعل من هذا الإصدار المرتقب مساهمة علمية في النقاش حول أي نموذج للمالية الترابية يمكن أن يواكب طموحات التنمية ويستجيب للتحولات التي يعرفها المغرب؟