
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
ليست المسألة شتيمة سياسية ولا رواية صُنعت في زمن الخصومات المعاصرة، بل صفحة موثقة من التاريخ الاجتماعي لمدينة الجزائر خلال العهد العثماني. فالمصادر التي تناولت أوضاع المدينة قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830 تشير إلى أن الدعارة لم تكن مجرد نشاط سري يقع خارج سلطة الدولة، وإنما عرفت شكلاً من التنظيم والمراقبة والجباية، وكان في قلب هذا النظام موظف رسمي عُرف باسم «المزوار».
الباحث عبد الحميد الأركش، في دراسته «البغاء: قطاع هامشي، منظم ومقنن.. مؤسسة مزوار»، يذهب إلى أن تقنين البغاء في مدن المغرب العثماني لم يكن اختراعًا استعماريًا أوروبيًا، بل ترجع جذوره إلى مرحلة أقدم. وبالنسبة إلى مدينة الجزائر، يشير إلى وجود شهادات منذ الحقبة العثمانية عن إدماج هذا النشاط في منظومة الضرائب والرقابة، إلى الحد الذي استعمل معه الباحث تعبيرًا شديد الدلالة هو «قوادة الدولة» لوصف المفارقة بين التحريم الأخلاقي والديني وبين استفادة السلطة ماديًا من النشاط الذي تراقبه.
ومن أهم الوثائق التي تساعد على فهم هذا النظام كتاب الطبيب الفرنسي إدوار-أدولف دوشين Édouard-Adolphe Duchesne، الصادر في باريس سنة 1853 بعنوان De la prostitution dans la ville d’Alger depuis la conquête. والكتاب لا يكتفي بدراسة المرحلة الاستعمارية، بل خصص جزءًا لـ«الدعارة في الجزائر قبل 1830»، وفصلًا كاملًا لـ*«المزوار»*، وهو ما يجعل وجود هذه الوظيفة قبل الاحتلال أمرًا موثقًا في مصادر القرن التاسع عشر.
وتصف المصادر «المزوار» باعتباره مسؤولًا ذا صلاحيات شرطية واسعة، يتولى مراقبة أماكن الدعارة والنساء المسجلات، وتحصيل الرسوم، إلى جانب وظائف أخرى مرتبطة بالأمن وتنفيذ بعض العقوبات. ويؤكد الضابط الفرنسي أوجين بيليسييه في مؤلفه عن الجزائر أن موظفًا خاصًا يسمى Mezouar كان يتولى «شرطة الحمامات وأماكن الدعارة» فضلاً عن تنفيذ الأحكام الجنائية، وكان خاضعًا للسلطة الإدارية العليا في المدينة.
الأكثر دلالة أن المسألة لم تكن مراقبة أمنية فقط، بل ارتبطت بالمال. وتنقل مصادر مبكرة أن «المزوار» كان يحصل من النساء الخاضعات لنظامه على رسوم، ويدفع للداي سنويًا نحو 2000 بياستر إسبانية مقابل هذا الامتياز. وهنا يجب تصحيح خطأ يتكرر في بعض المنشورات: مبلغ 2000 بياستر لا ينبغي تقديمه باعتباره بالضرورة مجموع ما أدخلته الدعارة إلى الخزينة، بل تشير الوثيقة إلى المبلغ السنوي الذي كان يؤديه المزوار للداي من العائد الذي يجبيه.
أما الرقم الشهير المتداول عن وجود 3000 امرأة تمارس الدعارة عند دخول الفرنسيين الجزائر سنة 1830، فمصدره معروف أيضًا؛ إذ ينقل دوشين عن الكابتن روزي تقديره لعددهن بنحو ثلاثة آلاف. لكن الأمانة التاريخية تفرض وصف الرقم بما هو عليه: تقدير صادر عن شاهد فرنسي، وليس إحصاءً عثمانيًا رسميًا مثبتًا بالسجلات. ودوشين نفسه يذكر أن النساء كن موزعات على فئات، وأن خروجهن كان مرتبطًا بإذن المزوار.
وحتى الاستعمار الفرنسي، عندما استولى على الجزائر سنة 1830، لم يهدم هذا النظام فورًا. فقد وجد جهازًا قائمًا لتنظيم الدعارة واستفاد منه خلال السنوات الأولى، ثم أعاد صياغته تدريجيًا في صورة نظام شرطي وصحي استعماري. ويكشف ذلك أن مؤسسة «المزوار» كانت راسخة بما يكفي لكي تتعامل معها الإدارة الجديدة باعتبارها آلية موجودة بالفعل، قبل أن تستبدلها لاحقًا بأجهزة الشرطة والمستوصفات والتنظيمات الفرنسية.
التاريخ هنا لا يحتاج إلى ألفاظ سب أو مبالغات حتى يكون صادمًا. الوثائق وحدها تكفي: سلطة سياسية مسلمة في إيالة الجزائر كانت تعرف وجود البغاء، وتراقبه بواسطة موظف رسمي، وتسجل العاملات فيه، وتفرض عليه رسومًا، وتستفيد ماليًا من عائداته. أما وصف هذا النظام أخلاقيًا فمتروك للقارئ، غير أن وصف عبد الحميد الأركش له بأنه شكل من «قوادة الدولة» يجد تفسيره في هذه العلاقة المباشرة بين السلطة والرقابة والجباية.
ومن يريد مناقشة هذه الصفحة التاريخية فعليه أن يناقش دوشين سنة 1853، ووثائق مؤسسة المزوار، وشهادات القرن التاسع عشر، لا أن يهرب إلى الشعارات. فالتاريخ حين يتحدث بوثائقه يصبح أكثر قسوة من الشتائم، وأشد إحراجًا من أي خطاب سياسي معاصر.
