
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، بدأت بعض التحركات السياسية على مستوى عدد من الجماعات الترابية بإقليم الرشيدية تطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الانتماءات الحزبية وحقيقة الاصطفافات الانتخابية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخبين يشغلون مسؤوليات داخل المجالس الجماعية، ثم يظهرون في مناسبات مرتبطة بمرشحين ينتمون إلى أحزاب منافسة.
وفي هذا السياق، تبرز حالة النائب الثالث لرئيس جماعة فركلى السفلى، الذي ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، حيث حضر رفقة وكيل لائحة الأحرار بدائرة الرشيدية، بمقهى ألاسكا بفركلى السفلى، في إطار لقاء تواصلي مع منتخبي الحزب. غير أن اللافت هو أن المعني بالأمر ظهر في اليوم الموالي رفقة مرشح الاتحاد الاشتراكي بدائرة الرشيدية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا الحضور، وما إذا كان الأمر يتعلق بتحول في الموقف السياسي، أم بمجرد حسابات مرتبطة بالاستحقاق الانتخابي.
فإذا كان الانتماء إلى حزب الأحرار لا يزال قائماً، فما الذي يفسر الحضور في اليوم الموالي إلى جانب مرشح حزب منافس؟ وإذا كان هناك تغيير في القناعة أو في الاصطفاف السياسي، فلماذا لا يتم الإعلان عنه بشكل واضح وصريح؟ فالممارسة السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخبين يتحملون مسؤوليات داخل المؤسسات المنتخبة، لا ينبغي أن تتحول إلى مساحة رمادية تتعدد فيها الرسائل بحسب المناسبة والجهة الحاضرة.
والصورة لا تختلف كثيراً في بودنيب، حيث حضر نائب رئيس بإحدى جماعات المنطقة، وهو عضو بحزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب مرشح حزب منافس ببودنيب، وقدم وعدا باستقطاب كتلة مهمة من الأصوات لفائدته خلال الاستحقاقات الجارية. لكن المفارقة أن النائب نفسه ظهر بعد ذلك بشكل بارز خلال اللقاء الذي جمع مرشح الأحرار بناخبيه في بودنيب.
هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف يمكن لمنتخب ينتمي إلى حزب معين أن يظهر إلى جانب مرشح من حزب منافس، بل ويتحدث عن استقطاب كتلة مهمة من الأصوات لفائدته، ثم يعود للظهور بشكل بارز في لقاء مرشح حزبه؟ هل نحن أمام مواقف سياسية متغيرة، أم أمام تعدد في القنوات والرهانات الانتخابية؟ وهل أصبح الانتماء الحزبي مجرد عنوان يمكن الاحتفاظ به، بينما تتحرك الحسابات الانتخابية في اتجاهات أخرى؟
لا يتعلق الأمر هنا بمنع أي منتخب من تغيير قناعته أو مراجعة اختياراته السياسية؛ فهذا حق مشروع، بل إن الانتقال من حزب إلى آخر يمكن أن يكون مفهوماً عندما يكون مبنياً على قناعة سياسية واضحة ومعلنة. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الخطاب السياسي قابلاً للتأويل، وعندما يجد الناخب نفسه أمام منتخب يحمل صفة حزبية من جهة، ويظهر داعماً لمرشح منافس من جهة أخرى، ثم يعود إلى الواجهة في لقاء مرشح حزبه.
والأخطر من ذلك هو التعامل مع أصوات المواطنين باعتبارها مجرد “كتلة” يمكن استقطابها أو نقلها من مرشح إلى آخر. فالناخب ليس رقماً في دفتر الحسابات الانتخابية، وليس ملكاً لهذا المنتخب أو ذاك، وإنما هو صاحب قرار مستقل، ومن حقه أن يختار من يمثله وفق قناعته الخاصة.
إن مثل هذه الممارسات، بصرف النظر عن دوافعها الحقيقية، تضع مسألة المصداقية السياسية أمام اختبار صعب. فالمنتخب الذي يغير موقفه السياسي من حقه أن يعلن ذلك، والذي يختار دعم مرشح آخر من حقه أيضاً أن يوضح للناس أسباب اختياره، أما الجمع بين أكثر من صورة وأكثر من خطاب في فترة انتخابية واحدة، فإنه يترك الباب مفتوحاً أمام قراءات عديدة، أقلها أن الحسابات الانتخابية أصبحت في بعض الحالات أقوى من الالتزام الحزبي والوضوح السياسي.
وفي نهاية المطاف، تبقى الكلمة الفصل للناخبين. فالمواطنون اليوم أكثر قدرة على مقارنة المواقف ومراقبة التحركات، ولن تكون الصور والظهور في اللقاءات الانتخابية وحدها كافية لصناعة القناعة. الانتخابات ليست فقط مناسبة لجمع الأصوات، وإنما امتحان حقيقي للمصداقية والوضوح والثبات على المواقف.