ذ.اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الجيش الإسباني بالمغرب: من سيدي ورياش سنة 1893 إلى كارثة أنوال وجبل العروي سنة 1921

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

لم تكن المواجهة بين قبائل الريف والوجود العسكري الإسباني في شمال المغرب حادثة عابرة أو معركة منفردة، بل امتدت على عقود وشكلت واحدة من أعقد صفحات التاريخ العسكري والاستعماري في غرب البحر الأبيض المتوسط. فمن نهاية القرن التاسع عشر إلى عشرينيات القرن العشرين، اصطدمت محاولات التوسع الإسباني بمقاومة محلية متجددة، بدأت في محيط مليلية، ثم تطورت تدريجيا من مواجهات قبلية محدودة إلى حرب منظمة ستبلغ ذروتها مع محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتتحول بعد معركة أنوال إلى أزمة عسكرية وسياسية عميقة داخل إسبانيا نفسها.

ومن الناحية التاريخية، ينبغي التمييز بين حرب مليلية لسنتي 1893 و1894، وحملة مليلية سنة 1909، وبين حرب الريف الكبرى التي تركزها معظم الدراسات الحديثة في الفترة الممتدة من 1921 إلى 1926 أو 1927. غير أن هذه الأحداث تنتمي، في سياق أوسع، إلى سلسلة واحدة من الصدامات التي رافقت التوسع الإسباني في شمال المغرب. وتؤكد الأكاديمية الملكية للتاريخ بإسبانيا أن حرب 1893 اندلعت في سياق بناء تحصينات إسبانية جديدة خارج مليلية، وأن المواجهات أفضت يوم 28 أكتوبر 1893 إلى مقتل الحاكم العسكري للمدينة الجنرال خوان غارسيا إي مارغالو أثناء القتال قرب تحصينات كابريريثاس.

وهكذا كانت أحداث سيدي ورياش سنة 1893 أولى الضربات الكبرى التي كشفت صعوبة إخضاع المنطقة عسكريا. فالجيش الإسباني، رغم تفوقه في التنظيم والتسليح، وجد نفسه أمام مقاتلين يعرفون التضاريس ويستفيدون من الجبال والممرات ويملكون قدرة كبيرة على الحركة والمباغتة. واضطرت مدريد، بعد اتساع المواجهات، إلى إرسال قوة تدخل كبيرة بقيادة الجنرال أرسينيو مارتينيث كامبوس، قبل أن تنتهي الحرب باتفاق سنة 1894. والأهمية التاريخية لهذه المواجهة لا تكمن فقط في مقتل حاكم مليلية، وإنما في كونها أظهرت مبكرا أن السيطرة العسكرية خارج أسوار المدينة لن تكون عملية سهلة أو قليلة الكلفة.

بعد ستة عشر عاما فقط، تكرر المشهد بصورة أشد دموية. ففي 27 يوليوز 1909 دخلت القوات الإسبانية منطقة الوديان المحيطة بجبل كوروكو قرب مليلية، خلال حملة مرتبطة بالتوسع العسكري وحماية المنشآت والمصالح المرتبطة بالمناجم وخطوط السكك الحديدية. وهناك وقعت المعركة التي دخلت التاريخ الإسباني باسم Desastre del Barranco del Lobo، أي «كارثة وادي الذئب». وتشير المصادر الإسبانية إلى مقتل نحو 153 جنديا وضابطا إسبانيا، بينهم الجنرال غييرمو بينتوس، فضلا عن مئات الجرحى. وأصبحت الهزيمة إحدى أشهر الصدمات العسكرية الإسبانية في المغرب قبل كارثة أنوال.

كانت حملة 1909 أيضا المرحلة التي برز فيها الشريف محمد أمزيان باعتباره أحد أهم رموز المقاومة المسلحة في الريف الشرقي. وقد أظهرت تلك الحرب أن المواجهة لم تعد مجرد رد فعل محلي على بناء حصن أو احتلال موقع، بل بدأت تأخذ أبعادا أوسع ضد تمدد القوات الإسبانية. ومع استمرار العمليات العسكرية إلى غاية 1912، اكتسب المقاتلون المحليون خبرة في التعامل مع تشكيلات المشاة والمدفعية والقوات المتحركة، وهي خبرة ستظهر آثارها بوضوح بعد أقل من عقد في المواجهة الأكبر التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي.

فمع وصول الجنرال مانويل فرنانديث سيلفستري إلى قيادة منطقة مليلية، تبنت القوات الإسبانية استراتيجية توسع سريع نحو عمق الريف، فأنشأت عشرات المواقع العسكرية المتباعدة، بعضها بعيدا عن مصادر الماء والإمدادات ومن دون خطوط دفاع مترابطة. وفي 1 يونيو 1921 أقامت القوات الإسبانية موقعا متقدما فوق جبل أدهار أبران – Abarrán. ولم تمض فترة طويلة حتى هاجمه المقاتلون الريفيون وأسقطوه. وتورد المصادر الخاصة بحملة أنوال أن القوات الإسبانية فقدت في أبران 24 قتيلا و59 جريحا، كما فقدت الموقع ومدافعه.

قد تبدو هذه الخسائر محدودة مقارنة بما سيحدث بعد ذلك، لكنها كانت من الناحية العسكرية إنذارا شديد الخطورة؛ إذ أثبت سقوط أبران أن المواقع المتقدمة التي أقامها سيلفستري يمكن عزلها واقتحامها تباعا. ومع ذلك واصل الجيش الإسباني تقدمه، في وقت ازدادت فيه قدرة محمد بن عبد الكريم الخطابي على توحيد المقاتلين وتنظيمهم والاستفادة من أخطاء خصمه.

وفي يوليوز 1921 أصبحت الأزمة مفتوحة. سقط موقع إغريبن بعد حصار قاس، ثم انهار التوازن العسكري في أنوال يوم 22 يوليوز 1921. كان الجيش الإسباني قد تقدم لمسافة كبيرة داخل الريف، بينما امتدت خطوط إمداده وأصبحت مواقعه متباعدة وصعبة الدفاع. وعندما بدأت القوات في الانسحاب، تحولت العملية إلى انهيار واسع امتد إلى عشرات المواقع الأخرى. وتصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنوال بأنها هزيمة ساحقة تكبدت فيها القوات الإسبانية، وفق اختلاف التقديرات، ما بين 10 آلاف و16 ألف قتيل في سلسلة أحداث الحملة والانهيار الذي أعقبها.

أما الأرقام الإسبانية المتداولة في الدراسات حول «كارثة أنوال» فتختلف بحسب ما إذا كان المقصود معركة أنوال وحدها أو مجموع الخسائر من أنوال إلى سقوط المواقع اللاحقة. وتورد بعض الحسابات الرسمية رقما يقارب 13,192 قتيلا ضمن الانهيار العسكري الواسع الذي شهدته منطقة مليلية سنة 1921. ولهذا فالأدق تاريخيا عدم اختزال كل هؤلاء القتلى في يوم واحد أو في ساحة أنوال وحدها، لأن الكارثة كانت سلسلة متصلة شملت الانسحاب، وسقوط مواقع عسكرية، ومعارك ومجازر لاحقة.

ولم تكن أهمية أنوال مرتبطة بعدد القتلى فقط. فقد انهارت منظومة عسكرية كاملة، وفقدت إسبانيا خلال أسابيع جزءا كبيرا من المواقع التي كانت قد احتلتها منذ 1909، واستولى المقاتلون الريفيون على كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والمدافع. كما أثارت الهزيمة أزمة سياسية داخل إسبانيا ودفعت السلطات إلى فتح تحقيق عسكري واسع عُرف باسم Expediente Picasso – ملف بيكاسو لتحديد المسؤوليات العسكرية عن الكارثة. وتؤكد الأكاديمية الملكية للتاريخ أن التحقيق، الذي بدأ بعد الأحداث، انتهى إلى آلاف الصفحات من الوثائق والشهادات المتعلقة بأسباب الانهيار.

غير أن أنوال لم تكن النهاية. فقد استطاعت قوة بقيادة الجنرال فيليبي نافارو الانسحاب شرقا والتجمع في جبل العروي – Monte Arruit. وفي 29 يوليوز 1921 كان بالموقع قرابة 3,000 عسكري، كثير منهم وصلوا منهكين بعد أيام من الانسحاب والقتال، بينما عانى الموقع من نقص الماء والطعام والذخيرة. وظلت الحامية محاصرة نحو أسبوعين دون أن تتمكن القوات الإسبانية في مليلية من إنقاذها.

وتوضح وثائق الأكاديمية الملكية للتاريخ أن الجنرال نافارو حصل يوم 6 غشت على إذن بالتفاوض بشأن الاستسلام، بينما تم التسليم فعليا في 8 و9 غشت 1921 بحسب التسلسل الوثائقي الإسباني. وكان نحو 2,500 رجل ما يزالون أحياء عند النهاية، لكن معظمهم قتلوا بعد وضع السلاح. ومن أصل 3,017 شخصا كانوا في الموقع عند بداية الحصار، تشير الأكاديمية إلى أن 69 فقط نجوا.

وتؤكد وثائق وزارة الثقافة الإسبانية من جهتها أن القوات التي أعادت احتلال جبل العروي في أكتوبر 1921 عثرت على أكثر من 2,500 جثة بقيت دون دفن، وهو ما يوضح حجم المأساة.  وبذلك لا يصح تاريخيا دمج جبل العروي في معركة أنوال وكأنهما واقعة واحدة؛ فأنوال شكلت لحظة انهيار الجيش الميداني، بينما كان جبل العروي خاتمة دموية لسلسلة الانسحابات والحصارات التي أعقبتها.

لقد تجاوز صدى هذه الأحداث حدود المغرب وإسبانيا. وتشير دراسة نشرتها المجلة الدولية للصليب الأحمر إلى أن حرب الريف كانت من أهم الحروب الاستعمارية في القرن العشرين، وأن أنوال تحولت إلى حدث دولي ساهم في إبراز تجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي باعتبارها نموذجا لحرب مقاومة غير متكافئة ضد قوة استعمارية حديثة.

لكن التحول الأكثر خطورة جاء بعدما استعادت إسبانيا المبادرة العسكرية تدريجيا. فبدلا من الاقتصار على المدفعية والقوات البرية والقصف التقليدي، دخل السلاح الكيميائي إلى حرب الريف. وتؤكد الدراسات التاريخية الحديثة استعمال القوات الإسبانية مواد سامة، من بينها الفوسجين والديفوسجين والكلوروبيكرين وغاز الخردل، كما استعمل الطيران في إسقاط ذخائر كيميائية خلال الحرب. وتورد المصادر التاريخية شهادة للطيار والجنرال الإسباني إغناسيو إيدالغو دي ثيسنيروس حول إلقاء قنابل بغاز الخردل من الجو سنة 1924.

وتذهب دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن استعمال الغازات السامة ضد الريفيين أصبح واضحا خصوصا ابتداء من سنة 1924، وهو ما يضع حرب الريف ضمن أبرز حالات استخدام السلاح الكيميائي في الحروب الاستعمارية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.  وهنا تكتسب حرب الريف بعدا يتجاوز التاريخ العسكري المحلي، لأنها تطرح إلى اليوم أسئلة تتعلق بحماية المدنيين، وحدود القوة العسكرية، والمسؤولية عن استخدام وسائل قتال لا تميز بصورة كافية بين المقاتلين والسكان.

وعندما نجمع هذه المحطات في سياق واحد، نكتشف مسارا تاريخيا يمتد من سيدي ورياش سنة 1893، إلى وادي الذئب سنة 1909، ثم أدهار أبران وأنوال وجبل العروي سنة 1921. خمس محطات تفصل بينها نحو ثمانية وعشرين عاما، لكنها تكشف تطورا عميقا في طبيعة المقاومة المغربية بالريف: من مواجهة القبائل للتوسع حول مليلية، إلى ظهور قيادة أكثر تنظيما، ثم إلى مشروع عسكري وسياسي استطاع في عهد محمد بن عبد الكريم الخطابي أن يفرض على إحدى القوى الاستعمارية الأوروبية واحدة من أقسى هزائمها العسكرية في القرن العشرين.

ولذلك لا تختزل أنوال في رقم للقتلى، ولا تختزل حرب الريف في انتصار عسكري أو هزيمة استعمارية. فقد كانت تجربة كشفت حدود التفوق التقني عندما يصطدم ببيئة جغرافية صعبة، وخطوط إمداد هشة، وقيادة ترتكب أخطاء استراتيجية، في مقابل مقاتلين يمتلكون المعرفة بالمجال والقدرة على الحركة والتنظيم. كما أن نتائجها لم تبق داخل جبال الريف، بل انتقلت إلى مدريد والدوائر العسكرية والسياسية الأوروبية وأثرت في النقاش حول السياسة الاستعمارية الإسبانية لعقود.

إن استعادة هذه الصفحة اليوم تقتضي الابتعاد عن المبالغة والأساطير والأرقام غير الموثقة بقدر ما تقتضي رفض النسيان. فقيمة تاريخ الريف ليست في تضخيم الوقائع، بل في أن الوقائع الموثقة نفسها كانت استثنائية: مقتل حاكم مليلية سنة 1893، كارثة وادي الذئب سنة 1909، سقوط أبران في يونيو 1921، انهيار أنوال في يوليوز، ثم مأساة جبل العروي في غشت من السنة نفسها، قبل الانتقال إلى حرب استُخدم فيها السلاح الكيميائي. إنها سلسلة أحداث جعلت الريف واحدا من أبرز ميادين المقاومة المغربية للاستعمار خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وجعلت اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي جزءا من الذاكرة التاريخية للمغرب ومن تاريخ حركات التحرر المناهضة للاستعمار.

Exit mobile version