مولاي الحسن الصوصي يكتب: أسبح ضد التيار… ولن تنالوا مني

منذ أن وعيت معنى الكلمة، وأنا أسبح ضد التيار. لا لأنني أبحث عن الاختلاف من أجل الاختلاف، ولا لأن مخالفة السائد أصبحت غاية في حد ذاتها، وإنما لأنني أؤمن بأن الصحافة التي لا تزعج، ولا تسائل، ولا تضع الإصبع على مكامن الخلل، تتحول مع الوقت إلى مجرد صدى لما يريده الأقوياء.

لذلك سأكتب.

سأكتب عن تلك الوعود الانتخابية التي تظهر فجأة مع اقتراب موعد الاقتراع، وعن ابتسامات المرشحين التي تبدو أحيانًا أكثر حضورًا من برامجهم. سأكتب عن المواطن البسيط الذي يُطلب منه أن يمنح صوته مقابل وعد بمستقبل أفضل، ثم يجد نفسه بعد انتهاء الانتخابات أمام المستقبل نفسه الذي كان يحاول الهروب منه.

سأكتب عن الخطابات الرنانة التي تحولت إلى مرض مزمن، وعن الشعارات التي تملأ الساحات واللافتات قبل أن تختفي في اليوم التالي لإعلان النتائج. وسأسأل، بكل بساطة: أين تذهب الوعود عندما تنتهي الحملة الانتخابية؟ ومن يتذكر المواطن الذي كان بالأمس عنوانًا للخطاب السياسي؟

سأكتب عن البرامج الانتخابية التي تُكتب أحيانًا بلغة الأحلام، ثم تُدفن في أرشيف الذاكرة السياسية بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. سأكتب عن المناظرات التي تكثر فيها الكلمات وتقل فيها الإجابات، وعن المواطن الذي يستمع، وينتظر، ويصدق، ثم يكتشف أن المسافة بين الكلام والفعل قد تكون أطول من المسافة بين القرية والمركز الحضري.

سأكتب عن القرى التي تُزار في المواسم الانتخابية، فتُسمع فيها وعود الماء والكهرباء والطرق والصحة والتعليم، ثم يعود المرشحون إلى مكاتبهم، وتعود القرى إلى انتظارها الطويل، ولا يبقى في المكان إلا الغبار وبعض اللافتات الممزقة.

سأكتب عن المدن التي زرتها بأمل، وعن صناديق الاقتراع التي وضعت فيها آمالي، وعن ناخبين حاولوا انتزاع حقوقهم بأصواتهم، لكنهم اكتشفوا بعد كل استحقاق أن الصوت وحده لا يكفي عندما تغيب المحاسبة، وتضعف الذاكرة الانتخابية، ويصبح المواطن مجرد رقم في معادلة انتخابية مؤقتة.

وسأكتب، أيضًا، عن الصمت أمام الفساد؛ ذلك الصمت الذي لا يقل خطورة عن الفساد نفسه. سأكتب عن المسؤول الذي يُنسى بعد انتهاء ولايته، وعن الوعود التي لا تجد من يحاسب أصحابها، وعن العهود التي تُقطع أمام المواطنين ثم تُنقض دون اعتذار أو تفسير.

سأكتب عن الشوارع التي تتحول في كل موسم انتخابي إلى معرض كبير للصور والشعارات. وجوه تبتسم من كل زاوية، وأسماء تتكرر على الجدران، وعبارات تعد بالإنقاذ والتغيير. ثم، ما إن تنتهي الانتخابات، حتى تبدأ تلك الوجوه في الاختفاء، وتبقى الجدران وحدها شاهدة على موسم آخر من الكلام.

سأكتب عن المواطن الذي يقف في الطابور أمام صندوق الاقتراع، وعن ذلك الذي يحمل بطاقة التصويت باعتبارها حقًا ومسؤولية، وعن ذلك الذي يدخل إلى المعزل وهو يحاول أن يختار بين وعود كثيرة وواقع يعرفه جيدًا.

سأكتب عن المواطن الذي يقصف بالوعود بدل أن يُقصف بالحلول.

وسأكتب عن شاشات التلفزيون التي تمطر الناس باستطلاعات الرأي، وعن حملات الدعاية الليلية التي تلمع في عيون المتعبين كأنها نجوم أمل، بينما يعرف كثيرون أن الاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للانتخابات، حين ينتهي التصفيق وتبدأ المسؤولية.

قد تبدو هذه المواضيع للبعض تافهة، وقد لا تهم أحدًا في زمن أصبحت فيه السياسة تُستهلك بسرعة الخبر العابر. وربما لا تهمني أنا أيضًا، لو أن المقصود منها مجرد تسجيل المواقف.

لكنها ليست تفاهات.

فالحديث عن العدالة ليس ترفًا، والحديث عن الكرامة ليس شعارًا، والحديث عن صوت المواطن ليس مسألة انتخابية عابرة. إنها أسئلة مرتبطة بجوهر الحياة العامة وبحق الناس في أن تكون لهم كلمة مسموعة، وإرادة محترمة، ومؤسسات تُحاسب وتُسائل.

لهذا سأظل أكتب.

لن أكتب حرفًا لإرضاء مرشح، ولن أكتب لكسب ود حزب، ولن أبيع موقفي مقابل قرب أو امتياز أو وعد.

قد أختلف، وقد أخطئ، وقد أكون قاسيًا في التعبير أحيانًا، لكنني أفضل قسوة الكلمة الصادقة على نعومة المجاملة الكاذبة.

أنا متعدد، وسأظل متعددًا؛ في أفكاري، وفي أسئلتي، وفي زوايا النظر إلى الأشياء. ولن تنال مني محاولات تصنيفي داخل خانة سياسية أو حزبية أو انتخابية.

فالصحافة التي تخاف من السؤال ليست صحافة، والكلمة التي تُكتب لإرضاء صاحب نفوذ ليست موقفًا، والقلم الذي يُشترى يفقد قيمته لحظة دفع ثمنه.

لذلك، سأواصل السباحة ضد التيار.

ليس عشقًا للتيار المعاكس، وإنما دفاعًا عن حق المواطن في أن يسمع صوتًا آخر؛ صوتًا لا يصفق دائمًا، ولا يبرر دائمًا، ولا يصمت عندما يكون الكلام واجبًا.

وسأظل أكتب… لأنني لا أؤمن بأن الانتهازية ذكاء، ولا بأن النفاق سياسة، ولا بأن إقصاء الأصوات انتصار، ولا بأن تزوير الإرادة يمكن أن يصنع شرعية حقيقية.

سأكتب ما أراه، وما أؤمن به، وما يستحق أن يُقال… حتى وإن لم يعجب ذلك أحدًا

Exit mobile version