
يبدو أن رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت، اهرو أبرو، اختار، بدل فتح حوار سياسي ومؤسساتي مع أعضاء المجلس عقب الانتكاسة التي عرفتها دورة يوليوز الماضية، التصعيد في مواجهة الأصوات المعارضة داخل المؤسسة المنتخبة، من خلال اللجوء إلى القضاء للمطالبة بتجريد المستشار الجهوي عبد المولى أمكسو من عضويته. وتأتي هذه الخطوة في ظرفية سياسية ومؤسساتية دقيقة، بعدما كشفت دورة يوليوز عن عمق الخلافات داخل المجلس، إثر إسقاط عدد من النقاط المدرجة في جدول أعمالها، وهو ما كان يفترض أن يدفع رئاسة الجهة إلى مراجعة طريقة تدبيرها للخلافات، وفتح قنوات التواصل مع مختلف الأعضاء والفرق، والبحث عن صيغة توافقية تعيد للمجلس توازنه وتضمن استمرار عمله بشكل طبيعي. غير أن ما حدث، وفق المعطيات المتداولة، سار في اتجاه مغاير، إذ لم يبادر الرئيس إلى جمع الأعضاء ومحاولة فهم أسباب الأزمة وتجاوز تداعياتها، بل يبدو أنه اختار تعميق الشرخ والانتقال من الخلاف السياسي داخل قاعة المجلس إلى مواجهة ذات طابع قضائي.
ويكتسي استهداف عبد المولى أمكسو تحديداً أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة حضوره داخل مجلس الجهة خلال الدورات السابقة، حيث عرف بمداخلاته القوية وانتقاداته الصريحة لعدد من الاختيارات التدبيرية، فضلاً عن دفاعه المتكرر عن مصالح إقليم ورزازات، ورفضه لما يعتبره غياباً للعدالة المجالية في برمجة وتوزيع ميزانية الجهة بين مختلف الأقاليم. فقد ظل أمكسو من الأصوات التي ترفع سقف النقاش داخل المجلس، ولا تتردد في مساءلة رئيس الجهة حول أولويات التدبير، وحول المعايير المعتمدة في توزيع المشاريع والاعتمادات، وهو ما جعله في مواجهة سياسية مستمرة مع رئاسة المجلس. ومن هنا تبرز علامات استفهام حول ما إذا كان اللجوء إلى مسطرة التجريد من العضوية مجرد إجراء قانوني مرتبط بالوقائع التي دفعت بها الرئاسة أمام المحكمة، أم أن الأمر يحمل، في خلفيته السياسية، رغبة في التخلص من صوت معارض أثبت خلال الدورات السابقة أنه قادر على التأثير في النقاش وعلى إحراج الرئاسة أمام باقي الأعضاء.
وإذا كانت رئاسة الجهة تعتبر أن لديها مبررات قانونية لسلوك هذه المسطرة، فإن الكلمة الفصل في ذلك تبقى للقضاء المختص، غير أن التوقيت السياسي لهذه الخطوة يفتح الباب أمام قراءة أخرى لا يمكن تجاهلها، خصوصاً أن دورة أكتوبر المقبلة ستعيد إلى طاولة المجلس عدداً من النقاط التي سبق أن سقطت خلال دورة يوليوز. فبدلاً من معالجة أسباب إسقاط تلك النقاط عبر الحوار والتفاوض وبناء توافقات جديدة، يأتي التحرك ضد أمكسو في مرحلة تسبق الدورة التي ستعاد فيها مناقشة المواضيع نفسها، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان إبعاد أحد أبرز الأصوات المنتقدة سيغير موازين النقاش والتصويت داخل المجلس. ويزداد هذا التساؤل حدة بالنظر إلى أن بعض النقاط المعنية، وفق المعطيات المتداولة، ترتبط بمواضيع يعتبرها رئيس الجهة صادرة عن والي الجهة، وهو ما يجعل عدم تمريرها مجدداً بمثابة إحراج سياسي جديد لرئاسة المجلس، خصوصاً بعد الانتكاسة التي عرفتها دورة يوليوز.
ولا تقف حساسية دورة أكتوبر عند إعادة طرح النقاط التي أسقطت في الدورة السابقة، بل تتجاوزها إلى محطة أكثر أهمية تتمثل في الدراسة والمصادقة على ميزانية جهة درعة تافيلالت برسم سنة 2027، وهي محطة ستشكل، دون شك، اختباراً حقيقياً لقدرة اهرو أبرو على تدبير الأغلبية داخل المجلس وإقناع مختلف مكوناته بالتصويت على مشروع الميزانية. وإذا كان سقوط عدد من النقاط في يوليوز قد شكل مؤشراً على وجود أزمة في التوافقات داخل المجلس، فإن تكرار السيناريو نفسه خلال دورة أكتوبر، وخاصة إذا طال مشروع الميزانية، سيكون له وقع سياسي أكبر بكثير، لأنه سيطرح بشكل مباشر سؤال قدرة الرئاسة على تأمين الأغلبية اللازمة لتمرير أهم وثيقة مالية للمجلس. ومن هذا المنطلق، يصبح توقيت السعي إلى تجريد أمكسو من العضوية محط اهتمام سياسي، خصوصاً إذا كان وجوده داخل المجلس قد يشكل، بالنسبة إلى الرئاسة، أحد مصادر القلق خلال مناقشة النقاط الخلافية ومشروع ميزانية 2027.
والواقع أن اختزال الأزمة التي يعيشها مجلس جهة درعة تافيلالت في شخص عبد المولى أمكسو لن يكون كافياً لفهم خلفياتها الحقيقية، لأن دورة يوليوز لم تكشف فقط عن خلاف بين الرئيس وعضو من أعضاء المجلس، وإنما كشفت عن أزمة أوسع مرتبطة بطريقة تدبير الاختلافات داخل مؤسسة منتخبة يفترض أن تكون فضاءً للنقاش والتفاوض والمراقبة والمساءلة. فإذا كان أمكسو يطرح أسئلة حول العدالة المجالية وتوزيع موارد الجهة، فإن الرد الطبيعي على هذه الانتقادات يفترض أن يكون بالأرقام والمعايير والبرامج، لا بمحاولة إبعاده من المؤسسة التي يمارس داخلها حقه في التعبير والتصويت والمراقبة. وإذا كانت للرئيس مبررات قانونية ضد العضو، فإن القضاء وحده يملك صلاحية الحسم فيها، أما سياسياً فإن إقصاء صوت معارض لا يعالج بالضرورة أسباب الخلاف، ولا يجيب عن الأسئلة التي طرحتها دورة يوليوز حول طريقة تدبير المجلس وأسلوب توزيع الاعتمادات والبرامج بين أقاليم الجهة.
وبذلك، تبدو دورة أكتوبر المقبلة أكثر من مجرد دورة عادية ضمن جدول اجتماعات مجلس الجهة، فهي ستكون اختباراً سياسياً حقيقياً لرئاسة اهرو أبرو، خصوصاً مع عودة النقاط التي سقطت في يوليوز، ومع إدراج مشروع ميزانية 2027 على جدول الأعمال. فإما أن تتمكن الرئاسة من استعادة زمام المبادرة وبناء توافقات حقيقية مع مختلف مكونات المجلس، وإما أن تتكرر أزمة التصويت، بما سيؤكد أن المشكلة لم تكن مرتبطة بعضو واحد، وإنما بأزمة ثقة وتوافق أعمق داخل المؤسسة. وبين السيناريوهين، يبقى ملف أمكسو مفتوحاً على أكثر من قراءة، إذ إن إبعاده، في حال تم، لن يلغي الأسئلة التي سبق أن طرحها داخل المجلس حول العدالة المجالية، ولن يمنع بقية الأعضاء من ممارسة حقهم في القبول أو الرفض والتصويت على النقاط والميزانية.
وفي انتظار ما ستقرره المحكمة بشأن طلب تجريد أمكسو من عضويته، يبدو أن الأنظار ستتجه بقوة إلى دورة أكتوبر، ليس فقط لمعرفة مصير النقاط التي أسقطت في يوليوز، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كانت رئاسة الجهة ستنجح في تمرير ميزانية 2027 وتجاوز أزمة الأغلبية، أم أن انتكاسة يوليوز ستجد طريقها مجدداً إلى قاعة المجلس. وفي كلتا الحالتين، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق بمستقبل عضو واحد، بقدر ما يتعلق بمستقبل طريقة تدبير الاختلاف داخل مجلس منتخب، وبما إذا كان هذا الاختلاف سيُدار بمنطق الحوار والتوافق، أم بمنطق إبعاد الأصوات التي ترفع سقف النقد وتضع اختيارات الرئاسة تحت المجهر.