
يبدو أن حزب الاستقلال بإقليم الرشيدية دخل مرحلة جديدة من التوتر الداخلي، بعدما بدأت تداعيات النتائج الانتخابية الأخيرة تلقي بظلالها الثقيلة على التنظيم، وأصبح مطلب إعادة ترتيب البيت الداخلي يتردد بقوة داخل صفوف عدد من المناضلين والفاعلين الاستقلاليين، في ظل حالة من الغضب والاستياء من الطريقة التي دُبر بها الحزب خلال المرحلة الماضية.
فالهزيمة الانتخابية لم تعد، بالنسبة إلى عدد من الأصوات داخل التنظيم، مجرد نتيجة انتخابية عابرة يمكن تجاوزها، وإنما أصبحت مناسبة لفتح ملفات ظلت لسنوات مؤجلة، وطرح أسئلة محرجة حول المسؤوليات السياسية والتنظيمية التي أوصلت الحزب إلى هذه الوضعية.
وفي قلب هذا النقاش، يعود اسم الاستقلالي الحسني رشيدي، نائب رئيس الجهة، إلى الواجهة، باعتباره، وفق عدد من الأصوات المنتقدة داخل الحزب، أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالأزمة التنظيمية التي يعيشها الاستقلال بالرشيدية.
وكانت «الجهة8» قد نشرت في وقت سابق أن عددا من مناضلي الحزب يحملون رشيدي مسؤولية جانب من حالة الاحتقان التي عرفها التنظيم، معتبرين أنه لم ينجح في تدبير الخلافات الداخلية، بل ساهم، بحسب روايتهم، في تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة بين عدد من القواعد والقيادات، وهذه الاتهامات تظل، بطبيعة الحال، مواقف منسوبة إلى أصحابها، في انتظار أي رد أو توضيح من المعني بالأمر.
وتزداد حساسية هذه الاتهامات عندما توضع في سياق المسار الطويل من الصراع بين الحسني رشيدي ومولاي الحسن بنلفقيه، فقد سبق أن كشفت «الجهة8» أن أصل الخلاف بين الرجلين يعود إلى التنافس حول التزكية للانتخابات التشريعية، بعدما كان رشيدي يطمح إلى قيادة لائحة الحزب، قبل أن تستقر تزكية الحزب على بنلفقيه، ومنذ ذلك الحين، ظلت العلاقة بين الرجلين محكومة، بحسب ما نشرته الجريدة، بموجات من التوتر والمصالحة، حيث جرت محاولات متكررة لترميم البيت الداخلي وإنهاء الخلاف، غير أن المصالحات لم تنجح في إزالة جذور الصراع بشكل نهائي.
وما يزيد من حدة النقاش اليوم هو أن الانتخابات الأخيرة أعادت هذا الصراع إلى الواجهة بشكل أكثر وضوحاً. فقد كانت «الجهة8» قد نشرت، قبيل الاستحقاق التشريعي، معطيات تتحدث عن وجود تباين بين المواقف المعلنة لبعض الفاعلين داخل الحزب وما يجري في الكواليس، وربطت مصادرها اسم الحسني رشيدي بجدل حول طريقة التعامل مع ترشيح بنلفقيه، ووفق الرواية التي نقلتها الجريدة عن مصادرها، كان هناك من يرى أن الدعم المعلن لبنلفقيه لم يكن يعكس بالضرورة حقيقة موازين الصراع داخل الحزب.
ومع سقوط بنلفقيه وخروج حزب الاستقلال من المعركة الانتخابية الأخيرة بوضع أكثر صعوبة، أصبح السؤال داخل التنظيم أكثر إلحاحا؛ هل كانت النتيجة مجرد انعكاس لتحولات انتخابية طبيعية، أم أنها كانت أيضا نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لتراكمات الصراع الداخلي التي أنهكت الحزب وأضعفت قدرته على خوض الاستحقاق بصف موحد؟ ومن الصعب، من الناحية الموضوعية، اختزال نتيجة انتخابية في شخص واحد أو خصومة واحدة، غير أن مناضلين استقلاليين يرون أن الصراعات الداخلية كان لها ثمن سياسي، وأن الحزب دخل المعركة وهو مثقل بتراكمات تنظيمية كان يفترض معالجتها قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
ولعل أكثر ما يغذي هذا الغضب هو ما يعتبره عدد من الاستقلاليين نزيفاً تنظيميا متواصلا، فقد نشرت «الجهة8» في شتنبر الماضي خبر مغادرة لبنى غجدي لحزب الاستقلال والتحاقها بالحركة الشعبية، وربطت مصادر الجريدة هذا القرار بسلسلة من الخلافات التنظيمية، واضعة اسم الحسني رشيدي في قلب النقاش المرتبط بهذه المغادرة.
ومهما اختلفت القراءات حول أسباب انتقال غجدي، فإن مغادرة شخصية لها حضور سياسي ونقابي وانتخابي داخل الإقليم لا يمكن إلا أن تفتح نقاشا حول قدرة الحزب على الاحتفاظ بكفاءاته واحتضان مناضليه.
ثم جاءت التطورات التي أعقبت الانتخابات لتزيد من قوة الأصوات المطالبة بالمراجعة. فقد تحدثت «الجهة8» عن نزيف داخل تنظيم حزب الاستقلال بالرشيدية، وعن مغادرة المئات من المناضلين والأطر، وربطت مصادرها ذلك بما وصفته بخلافات حول طريقة تدبير الحزب وموقع رشيدي داخل هذه الصراعات، وهي معطيات ينبغي التعامل معها باعتبارها رواية صحفية منسوبة إلى مصادر، لكنها في الوقت نفسه تعكس أن الأزمة لم تعد محصورة في خلاف بين شخصين، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة الحزب ومستقبله وقدرته على الحفاظ على تماسكه التنظيمي.
ويبدو أن هذا هو جوهر الغضب الذي يتنامى داخل صفوف الاستقلاليين بالرشيدية: ليس فقط خسارة مقعد برلماني أو فشل مرشح في العودة إلى البرلمان، وإنما الإحساس بأن سنوات من الصراع الداخلي استنزفت التنظيم وأضعفت قدرته على استثمار رصيده التاريخي بالإقليم. فالحزب الذي كان يتوفر على شبكة من المناضلين والمنتخبين والفعاليات المحلية يجد نفسه اليوم أمام ضرورة مراجعة طريقة اشتغاله، وإعادة بناء الثقة بين مكوناته، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي بدل منطق الاصطفافات الشخصية.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن إعادة ترتيب البيت الداخلي أكثر من مجرد شعار. فالمطلوب، بالنسبة إلى عدد من الاستقلاليين، هو فتح نقاش صريح حول المرحلة السابقة، وتحديد مكامن الخلل، والاستماع إلى الأصوات التي غادرت الحزب أو ابتعدت عنه، والبحث عن صيغة تعيد للكفاءات والمناضلين مكانتهم داخل التنظيم. كما أن المرحلة المقبلة ستفرض على القيادة الحزبية حسم سؤال أساسي: هل يستمر الحزب في تدبير خلافاته بمنطق المصالحات الظرفية، أم ينتقل إلى معالجة حقيقية لجذور الأزمة؟
اليوم، وبعد النتائج الانتخابية، تبدو كلفة هذا الصراع أكثر وضوحاً. فبنلفقيه فقد مقعده البرلماني، والحزب فقد جزءاً من حضوره الانتخابي، بينما تستمر الأسئلة حول مستقبل التنظيم الإقليمي ومن يتحمل مسؤولية المرحلة السابقة.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية التي تنتظر حزب الاستقلال بالرشيدية قد لا تكون مع الأحزاب المنافسة بقدر ما ستكون مع أزمته الداخلية، فاستعادة المبادرة لن تتحقق سوى بتغيير الوجوه التي كانت سببا مباشرا فيما لحق أعرق حزب بإقليم الرشيدية، وإعادة بناء تنظيم قادر على استيعاب الاختلاف، وتدبير التنافس الداخلي بطريقة ديمقراطية، والحفاظ على مناضليه وكفاءاته، ووضع المصلحة الحزبية فوق الحسابات الشخصية.
وإذا كان الغضب الذي يتردد اليوم داخل التنظيم يعكس فعلا رغبة في إعادة ترتيب البيت الداخلي، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القيادة الاستقلالية على تحويل هذا الغضب إلى فرصة لإعادة البناء، بدل أن يتحول إلى بداية نهاية حضور سياسي طالما كان وازناً في إقليم الرشيدية.