مصطفى ابو وكيل يكتب: تفويض اختصاصات التحصيل الجبري لولاة الجهات وعمال الأقاليم: بين مقتضيات النجاعة المرجوة ورهانات الحكامة الترابية

مصطفى ابو وكيل

 طالب باحث في سلك الماستر

يُمثل تدبير الموارد المالية المحلية المعيار الأساسي لمدى نجاعة خيار التدبير الحر الذي تبناه المشرع المغربي دستوريا وتنظيميا في تدبير الشأن الترابي المحلي. وقد أثار صدور قرار وزير الداخلية رقم 1810.26، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7547 بتاريخ  28 شتنبر 2026، نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والمهتمة بالشأن الترابي، لا سيما في ظل التبسيطات الصحفية والإعلامية التي واكبته والتي وسَمَتْهُ أحياناً بمنح صلاحيات التنفيذ الجبري مباشرة للقباض الجماعيين.

إلا أن القراءة القانونية المتفحصة لمنطوق القرار المذكور والتشريعات المؤطرة له تفرض إجراء قراءة تحليليّة تُميّز بين البعد التقني الإجرائي للقرار وأبعاده التدبيرية والسياسية، للإجابة عن سؤال أساسي مفاده هل ينطوي القرار على تحول جذري وجوهري في موازين السلطة بين الإدارة المعينة والمجالس المنتخبة، أم أنه مجرد آلية لتسريع إجراءات استرداد الدين العمومي ؟

في بدء الأمر تقتضي الأمانة العلمية والقراءة المجردة للنصوص القانونية التأكيد على أن القرار  رقم 1810.26 لم يمنح القباض الجماعيين اختصاصات جديدة بصورة مباشرة، بل شكل قراراً يقضي بتفويض اختصاصات وزير الداخلية لولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم. وبالرجوع إلى المادة الأولى من القرار المذكور، يتجلى أن التفويض حصر مجالات التحرك في ثلاثة اختصاصات أساسية وفقاً لأحكام القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية والقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية المعدل وفق اخر التعديلات بالقانون رقم 14.25:

– الترخيص بمباشرة التحصيل الجبري: وهو الاختصاص الممنوح للولاة والعمال لمنح الضوء الأخضر للقباض الجماعيين لولوج المساطر الجبرية طبقاً للمادة 37 من مدونة تحصيل الديون العمومية.

– انتداب أعوان التنفيذ: منح السلطات الترابية المحلية صلاحية إسناد مهام التبليغ والتنفيذ للمأمورين المكلفين بهذه العمليات بموجب المادة 31 من نفس المدونة.

– البت في طلبات الإعفاء أو التخفيض: تخويل الوالي أو العامل سلطة معالجة صوائر المتابعات والإجراءات الجبرية كالإنذار والحجز والبيع خفضاً أو إلغاءً وفق المادتين 90 و91 من المدونة السالفة الذكر.

ويتضح من هذا التأطير أن القرار يندرج ضمن فلسفة عدم التمركز الإداري، عبر نقل سلطة القرار من الإدارة المركزية الممثلة في وزارة الداخلية إلى الإدارة الترابية – الولاة والعمال – دون أن يغير ذلك من الوظيفة الأصيلة للقابض كجهة محاسِبة مكلفة بالتحصيل.

من جهة اخرى، وعلى وجه الخصوص الناحية العملية، تظل مشكلة الباقي استخلاصه ثقباً أسود يبتلع نسبة مهمة من الموارد الذاتية للجماعات الترابية بالمغرب، مما يحدّ من قدرتها على تمويل مشاريع التنمية المحلية واختلال توازناتها المالية.

في هذا السياق، يقدّم قرار تفويض السلطة قيمة مضافة تتمثل في:

– تقليص الزمن الإداري: بحيث إن نقل صلاحية البت والترخيص بالإجراءات الجبرية إلى المستوى الترابي ينهي مسارات البيروقراطية المركزية، ويتيح سرعة التحرك لاستيفاء الديون قبل تقادمها أو تعذر استخلاصها بسبب تغير الوضعية المالية للمدين.

– عقلنة صوائر المتابعة: عبر منح العمال والولاة صلاحية البت في طلبات التخفيض أو الإعفاء من صوائر التحصيل الجبري والتي تتراوح قانوناً بين 1% و2.5%، يعطي مرونة إيجابية لتشجيع الملزمين على تسوية أصل الدين دون إنهاكهم بالمصاريف الجانبية.

– تكريس العدالة الجبائية: بواسطة تقوية أدوات التحصيل تعزز الامتثال الضريبي والحد من التملص والتأخير، مما ينعكس إيجاباً على تقوية الميزانيات الاستثمارية للجماعات.

ورغم الإيجابيات المالية المحققة، يثير نقل هذه الاختصاصات إلى ممثلي السلطة المركزية الولاة والعمال ملاحظات بشأن فلسفة التدبير الحر للوحدات الترابية من خلال:

– توسيع دائرة الوصاية الإدارية: بحيث جعل الترخيص بالتحصيل الجبري حكراً على جهاز الإدارة المعينة الوالي العامل يقلص من هامش المناورة لدى رئيس المجلس الجماعي المنتخب، والذي قد يفضل في أحيان كثيرة تغليب المقاربة التوافقية أو مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للساكنة المحلية.

– تجاوز الحسابات السياسوية: بالمقابل، يرى جانب من الفقه القانوني أن نقل هذه الصلاحيات للولاة والعمال يُعد مكسباً لحكامة المرفق العام؛ إذ يحيد عمليات استخلاص الأموال العمومية عن المزايدات الانتخابية والضغوط السياسية التي قد تمارسها المجالس المنتخبة محاباةً لبعض كبار الملزمين أو اعتبارات انتخابوية.

وصفوة القول، أن القرار السالف الذكر لا ينبغي قراءته كصراع نفوذ بين المعين و المنتخب، بل هو استجابة متوازنة لضرورات النجاعة المالية وتقريب القرار الإداري. ويظل النهائي هو نقل الموارد المالية للجماعات الترابية من مجرد أرقام دائنة جامدة في السجلات، إلى سيولة فعالة تُضخ في المشاريع التنموية والتجهيزات الأساسية. غير أن نجاح هذا الخيار يظل رهيناً بمدى ممارسة السلطات الترابية المكلفة بهذه الاختصاصات لنوع من المرونة والتوازن بين صرامة القانون والواقع الاجتماعي للخاضعين للضريبة.

↑
Exit mobile version