يوسف الكوش يكتب: مطالب بإعلان جهة درعة تافيلالت جهة منكوبة

تعيش جهة درعة تافيلالت على وقع تداعيات خطيرة خلفتها الفيضانات والسيول الأخيرة، التي كشفت من جديد حجم الهشاشة التي تعاني منها البنية التحتية بعدد من أقاليم الجهة، بعدما تسببت قوة المياه في تدمير مقاطع طرقية وانهيار قناطر ومسالك حيوية، فضلا عن سقوط منازل وتشريد أسر، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة ملحة بشأن نجاعة التدخلات العمومية، ومدى جاهزية المنشآت الطرقية لمواجهة التقلبات المناخية، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات المنتخبة والقطاعات المعنية.

وأمام اتساع رقعة الأضرار وتعدد المناطق المتضررة، تتعالى أصوات من داخل الجهة مطالبة بإعلان درعة تافيلالت منطقة منكوبة، باعتبار أن حجم الخسائر المسجلة، وفق معطيات رسمية، لم يعد يقتصر على أضرار مادية محدودة أو انقطاعات ظرفية في حركة السير، بل امتد ليهدد سلامة المواطنين وممتلكاتهم، ويضع عددا من الأسر أمام واقع اجتماعي وإنساني قاس، في ظل الحاجة إلى تدخلات عاجلة لإيواء المتضررين وإصلاح البنيات المتضررة وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

وتبرز خطورة الوضع بشكل خاص في عدد من المناطق التابعة لأقاليم زاكورة والرشيدية وورزازات وميدلت وتنغير، حيث أدت السيول إلى تضرر قناطر ومسالك طرقية، وانقطاع محاور حيوية تربط بين الجماعات والدواوير، ما زاد من صعوبة التنقل وعمق معاناة الساكنة، خصوصا في المناطق التي تعتمد بشكل أساسي على هذه الطرق للوصول إلى المؤسسات الصحية والإدارات والمرافق العمومية.

قناطر ومسالك طرقية أمام اختبار السيول

ومن بين الوقائع التي تثير الكثير من علامات الاستفهام، الأضرار التي لحقت بقنطرة لا تزال في طور الإنجاز على الطريق الرابطة بين مدينة تنغير وجماعة أغبالو نكردوس، بعدما تعرضت لتأثير قوة مياه الوادي، وتزداد حساسية هذه الواقعة بالنظر إلى أن المشروع تشرف عليه وكالة تنفيذ المشاريع بجهة درعة تافيلالت، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى مراعاة المعايير التقنية اللازمة، ومدى استعداد المنشأة لمواجهة قوة السيول، فضلا عن ضرورة الكشف عن طبيعة الأضرار التي لحقت بها، وحجم الخسائر المسجلة، ومدى احترام الأشغال المنجزة للمواصفات المعتمدة.

كما أن تضرر المنشآت الطرقية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خسارة مادية، بالنظر إلى أن القناطر والمسالك تمثل شرايين أساسية للحياة اليومية في المناطق الجبلية والواحية، وأي انهيار أو انقطاع فيها قد يؤدي إلى عزل تجمعات سكنية بأكملها، ويجعل الوصول إلى العلاج والتمدرس والخدمات الإدارية أمرا بالغ الصعوبة.

منازل منهارة وأسر تواجه التشرد في إقليم الرشيدية

وفي إقليم الرشيدية، اتخذت تداعيات الفيضانات بعدا إنسانيا أكثر قسوة، بعدما تسببت السيول، في انهيار عدد من المنازل بقصر بني موسي وقصر كاوز، التابعين لجماعة مدغرة، ما دفع أسرا متضررة إلى قضاء ليلتها في العراء، في وضع يثير القلق بشأن سلامتها وكرامتها، خصوصا في ظل ما قد يترتب عن فقدان المأوى من مخاطر صحية واجتماعية.

وتكشف هذه المشاهد حجم المعاناة التي يمكن أن تخلفها الكوارث الطبيعية حين تصطدم بهشاشة السكن وضعف البنيات الوقائية، إذ تجد أسر نفسها في مواجهة مباشرة مع الخسارة والخوف والتشرد، دون أن تكون لديها بالضرورة الإمكانات اللازمة لتأمين مأوى بديل أو إصلاح ما دمرته المياه.

ولا تتوقف الأضرار عند جماعة مدغرة، إذ سجلت انهيارات أخرى للمنازل بقصر المنقارة التابع لجماعة الجرف بإقليم الرشيدية، الأمر الذي يوسع دائرة القلق بشأن أوضاع الساكنة المتضررة، ويستدعي إحصاء دقيقا للمنازل المنهارة والمتضررة، وتحديد الأسر التي فقدت مساكنها أو أصبحت مهددة بفقدانها.

وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن تظل الاستجابة محصورة في التدخلات الاستعجالية أو المعاينات الميدانية، بل يتعين أن تشمل توفير الإيواء المؤقت، والمساعدات الضرورية، والتقييم التقني للمباني المتضررة، ووضع برامج واضحة لإعادة تأهيل المساكن التي يمكن إصلاحها، وتعويض المتضررين وفق القوانين والآليات المعمول بها.

كما تبرز ضرورة التواصل المستمر مع الأسر المتضررة، وتوضيح التدابير المتخذة لفائدتها، عوض تركها تواجه الغموض والانتظار في لحظات تكون فيها الحاجة إلى الدعم والمواكبة أكبر من أي وقت مضى.

وفاة طفلين ترفع منسوب القلق وتضع سلامة المواطنين في صدارة الأولويات

ومن أكثر المعطيات إيلاما في سياق هذه الفيضانات، تسجيل وفاة طفلين جرفتهما السيول بكل من جماعة أرفود وجماعة تنجداد، في حادثتين مأساويتين تعيدان التأكيد على خطورة الأودية أثناء جريانها، وعلى ضرورة تعزيز التدابير الوقائية والتحسيسية لحماية الأرواح، ولا سيما في صفوف الأطفال.

وتشكل هذه الخسائر البشرية الجانب الأكثر مأساوية من الكارثة، إذ لا يمكن اختزال تداعيات الفيضانات في حجم الأضرار التي لحقت الطرق والقناطر والمساكن، بينما تبقى حياة المواطنين وسلامتهم القيمة التي ينبغي أن تتقدم جميع الاعتبارات.

وتفرض هذه الحوادث مراجعة آليات الإنذار المبكر والتواصل مع السكان، خصوصا في المناطق القريبة من مجاري الأودية والمسالك التي تتحول خلال التساقطات القوية إلى نقاط خطرة، كما تبرز أهمية وضع علامات تحذيرية واضحة، ومنع العبور عند الضرورة، وتعزيز التنسيق بين السلطات المحلية والوقاية المدنية ومختلف المصالح المعنية.

ولا يتعلق الأمر بتحميل جهة بعينها مسؤولية هذه الوفيات دون نتائج تحقيق، وإنما بضرورة استخلاص الدروس من المآسي المسجلة، والعمل على منع تكرارها عبر إجراءات وقائية ملموسة، لا تظل حبيسة البلاغات والتوصيات العامة.

انقطاع الطرق يحرم المواطنين من العلاج ويعمق عزلة المناطق المتضررة

وإلى جانب الخسائر البشرية والمادية، تسببت السيول في انقطاع عدد من الطرق والمحاور، ما أثر على حركة التنقل بعدد من مناطق جهة درعة تافيلالت، وفرض على مواطنين الانتظار لساعات من أجل الوصول إلى الخدمات الصحية، خاصة في أقاليم الرشيدية وزاكورة وورزازات.

وتبرز هذه الوضعية خطورة الاعتماد على بنية طرقية لا تضمن، في عدد من المناطق، الحد الأدنى من الاستمرارية خلال الظروف المناخية الصعبة، فحين تنقطع الطرق، لا تتعطل حركة السير فحسب، بل تتأثر أيضا قدرة المرضى على الوصول إلى المراكز الصحية والمستشفيات، وتزداد معاناة الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج المستعجل، فضلا عن انعكاسات ذلك على التزامات المواطنين اليومية وحاجياتهم الأساسية.

ويطرح هذا الوضع سؤالا جوهريا حول مدى توفر الجهة على خطط استباقية للتعامل مع الفيضانات، ومدى جاهزية المصالح المختصة لتأمين المسالك البديلة، والتدخل لإزالة العوائق وإعادة فتح المحاور الطرقية في أسرع وقت ممكن.

كما يثير استمرار العزلة، ولو لساعات، مخاوف بشأن المناطق التي لا تتوفر على طرق بديلة أو التي تعتمد على قناطر محدودة لعبور الأودية، فهذه المناطق تحتاج إلى حلول هندسية مستدامة، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجال الجغرافي وقوة الجريان المائي، بدلا من الاكتفاء بإصلاحات ظرفية قد لا تصمد أمام أول اختبار جديد.

أين مجلس جهة درعة تافيلالت والمجالس الإقليمية من حجم الكارثة؟

وفي خضم هذه التطورات، يبرز غياب واضح، وفق ما يعبر عنه عدد من المتتبعين والفاعلين المحليين، لمجلس جهة درعة تافيلالت والمجالس الإقليمية عن واجهة النقاش والتفاعل العمومي بالحجم الذي تفرضه خطورة الأوضاع المسجلة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة التدخلات التي باشرتها هذه المؤسسات، ومدى انخراطها في مواكبة المناطق المتضررة، وتعبئة الإمكانات المتاحة للمساهمة في تجاوز الأزمة.

ففي الوقت الذي تواجه فيه أسر فقدت مساكنها ظروفا صعبة، وتتضرر فيه طرق وقناطر ومرافق أساسية، ينتظر المواطنون من المؤسسات المنتخبة أن تقدم معطيات واضحة حول ما قامت به، وما تعتزم القيام به، وكيف ستساهم في معالجة آثار الفيضانات على المدى القريب والمتوسط.

ولا يمكن أن يظل دور المجالس المنتخبة محصورا في التدبير الاعتيادي أو انتظار انتهاء الأزمة، بل إن مثل هذه الظروف تستدعي تحركا سياسيا ومؤسساتيا مسؤولا، من خلال عقد اجتماعات استعجالية، وتنسيق الجهود مع السلطات الترابية والقطاعات الحكومية، وتحديد الأولويات بحسب درجة الخطورة وحجم الأضرار، مع الإعلان عن التدابير والإمكانات التي يمكن تعبئتها قانونيا وماليا.

كما أن الرأي العام المحلي والجهوي يحتاج إلى أجوبة بشأن وضعية المشاريع الطرقية المتضررة، وبرامج صيانة القناطر، ومدى إدماج مخاطر الفيضانات ضمن الدراسات التقنية للمشاريع المنجزة أو التي توجد في طور الإنجاز، فضلا عن آليات مراقبة جودة الأشغال وربط المسؤولية بالمحاسبة عند ثبوت أي إخلال.

إن الحديث عن الغياب المؤسساتي لا يعفي باقي المتدخلين من مسؤولياتهم، لكنه يسلط الضوء على ضرورة إظهار الأدوار الفعلية لكل جهة ومجلس ومصلحة، حتى لا تضيع المسؤوليات وسط تعدد الاختصاصات، ويجد المواطن نفسه في مواجهة آثار الكارثة دون معرفة الجهة التي ينبغي أن يلجأ إليها.

إعلان الجهة منطقة منكوبة.. مطلب يتجاوز الشعارات إلى تعبئة الموارد

أمام تعدد الأقاليم المتضررة، وسقوط المنازل، وانهيار المنشآت الطرقية، وانقطاع المسالك، وتسجيل وفيات في صفوف الأطفال، تتصاعد المطالب بإعلان جهة درعة تافيلالت منطقة منكوبة، أو اعتماد الآليات القانونية المناسبة للتعامل مع حجم الأضرار المسجلة، بما يسمح بتعبئة الموارد المالية والبشرية الضرورية وتسريع عمليات الإغاثة وإعادة التأهيل.

ويستند هذا المطلب إلى اعتبار أن حجم الخسائر وتوزعها الجغرافي يستدعيان استجابة تتجاوز التدخلات المحلية المحدودة، نحو مقاربة شاملة تشارك فيها القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، وتضع المناطق الأكثر تضررا في صدارة الأولويات.

غير أن إعلان منطقة منكوبة، في حد ذاته، لا ينبغي أن يتحول إلى غاية رمزية أو شعار للاستهلاك الإعلامي، بل يتعين أن يرتبط بتقييم رسمي للأضرار، وتحديد دقيق للحاجيات، وتعبئة الإمكانات المتاحة وفق المقتضيات القانونية، مع اعتماد برنامج استعجالي واضح لإعادة فتح الطرق، وإصلاح المنشآت المتضررة، وإيواء الأسر التي فقدت مساكنها، وتوفير الدعم الضروري للمتضررين.

كما يتطلب الوضع وضع خطة متوسطة وبعيدة المدى لإعادة بناء البنية التحتية وفق معايير أكثر صلابة، وتفادي تكرار الاختلالات نفسها عند كل موسم مطري، خصوصا في المناطق التي تتكرر فيها الفيضانات أو تتسم بضعف شبكات تصريف المياه وارتفاع مخاطر انجراف التربة.

من التدبير الموسمي إلى الوقاية الاستباقية

إن ما شهدته درعة تافيلالت لا يطرح فقط تحدي تدبير آثار الفيضانات بعد وقوعها، بل يكشف الحاجة إلى مراجعة أعمق للسياسات المرتبطة بالبنية التحتية والوقاية من المخاطر الطبيعية، فالمناطق التي تعرف جريانا قويا للأودية تحتاج إلى قناطر مصممة وفق دراسات هيدرولوجية دقيقة، وطرق قادرة على مقاومة الانجراف، وشبكات لتصريف المياه، وأنظمة إنذار وتدخل تتيح حماية السكان وتقليص الخسائر.

كما أن المشاريع العمومية ينبغي أن تخضع لمراقبة تقنية صارمة خلال مراحل الدراسة والإنجاز والتسلم، مع نشر المعطيات الأساسية المتعلقة بكلفتها ومواصفاتها والجهات المكلفة بإنجازها ومراقبتها، بما يعزز الشفافية ويتيح تقييم مدى احترامها للمعايير المطلوبة.

وفي المقابل، يتعين على مختلف المؤسسات المعنية تقديم حصيلة واضحة للتدخلات المنجزة، وتحديد المناطق التي ما تزال معزولة، وحصر المنازل المتضررة، والإعلان عن التدابير المتخذة لحماية الأسر، مع إعطاء الأولوية للحالات الإنسانية المستعجلة.

فالساكنة لا تحتاج إلى وعود عامة بقدر ما تحتاج إلى حلول ملموسة، تبدأ بإنقاذ المتضررين وتأمين المأوى والعلاج، ولا تنتهي إلا بإعادة تأهيل البنية التحتية وضمان عدم تكرار المآسي نفسها.

وتظل الأسئلة المطروحة بإلحاح: هل ستتم الاستجابة لمطلب إعلان درعة تافيلالت منطقة منكوبة؟ وهل ستتحرك المجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية بالسرعة التي تفرضها خطورة الوضع؟ ومن سيتحمل مسؤولية تقييم الاختلالات التي قد تكون ساهمت في تضرر بعض المنشآت؟ وهل ستتحول هذه الفيضانات إلى نقطة انطلاق لإصلاحات حقيقية، أم ستظل المنطقة رهينة تدخلات ظرفية تتكرر مع كل موسم مطري؟

أسئلة تنتظر أجوبة عملية، في وقت لم تعد فيه معاناة الساكنة تحتمل مزيدا من الانتظار، وأصبح المطلوب تدخلا عاجلا يحمي الأرواح، ويصون كرامة المتضررين، ويعيد الاعتبار لحق المواطنين في بنية تحتية آمنة وخدمات أساسية لا تتوقف عند أول اختبار مناخي.

↑
Exit mobile version