سعيد امحمدي يكتب: نجح الآخرون فيما فشل فيه العدالة والتنمية

بقلم سعيد امحمدي

بلاغ الديوان الملكي الصادر اليوم ذكرني بنازلة سياسية مهمة، أعتبرها معبّرة لفهم طبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومات المنتخبة، وحدود تدخل الدولة في توجيه الاختيارات الكبرى.

تعود بنا الذاكرة إلى سنة 2013، ثم إلى سنة 2016، حين عاد موضوع الدعم الاجتماعي المباشر للأسر الفقيرة إلى واجهة النقاش السياسي، في سياق حكومة عبد الإله بنكيران ومفاوضات تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التشريعية.

كان بنكيران، للأسف، يبرر عدم تفعيل هذا الدعم بصعوبة تحديد الآليات الناجعة لاستهداف الفئات الفقيرة المستحقة. وهو مبرر له وجاهته من الناحية التقنية حينهاا، بالنظر إلى أن المغرب لم يكن قد راكم تجربة متكاملة في هذا النوع من البرامج. وكانت التصورات المتداولة تتحدث عن مبالغ تتراوح بين 50 و100 دولار للأسرة، أي ما يعادل تقريبا 500 إلى 1000 درهم.

وفي المقابل، باشرت الحكومة أنذاك عددا من البرامج الاجتماعية، من قبيل «راميد» و«تيسير» و«مليون محفظة»، في إطار مقاربة متعددة المداخل لمواجهة الهشاشة الاجتماعية.

لكن سنة 2016 حملت معها سجالا سياسيا حول الدعم المباشر، إذ تحدثت تقارير إعلامية عن رفض عزيز أخنوش تفعيل هذا الخيار، بينما ربطت مواقف أخرى الاعتراض بإشكالية الاستهداف ودقة تحديد المستفيدين. هذا في الواجهة، الذي المضمر حقيقة هو أن هناك جهات لم تشأ أن يحسب ذلك لحكومة بنكيران، ثم جاءت أزمة تشكيل الحكومة، المعروفة بـ«البلوكاج»، وما أعقبها من تطورات سياسية.

وهنا تأتي المسؤولية السياسية لحزب العدالة والتنمية، والتي ما فتئ أن يهرب منها، وهي المسؤولية في فضح كل المؤامرات التي أحيكت، ومنها تحصين المكتسبات الديمقراطية، التي ما فتئ الحزب يدافع عنها ..

وبعد سنة 2021، ستتبنى الحكومة التي ترأسها عزيز أخنوش برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي انطلق فعليا في نهاية سنة 2023.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل: الخيار الذي كان موضوع خلاف سياسي بالأمس، أصبح اليوم ورشا مركزيا في السياسات الاجتماعية للدولة.

ولست هنا بصدد مناقشة أهمية الدعم المباشر، ولا الحاجة إلى الرفع من قيمته، لأنه مثال واحد لعدد كبير من الأمثلة، وإنما أتوقف عند ما كشفه هذا المسار من أسئلة حول القرار السياسي، وأدوار المؤسسات، ومدى تأثير التوازنات الحزبية في مصير الإصلاحات الاجتماعية.

اليوم الجمعة 17 أكتوبر، وقبيل انطلاق الحكومة الجديدة في مسارها، ينعقد مجلس وزاري للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، في إطار الاختصاصات الدستورية، ويعلن بلاغ الديوان الملكي عن توجهات اجتماعية واضحة، من بينها رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة (لنا عودة مع برامج التنمية الترابية).

ويمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها تأكيدا على مركزية البعد الاجتماعي في التوجهات العامة للدولة، وتهيئة الإطار العام الذي ستشتغل داخله الحكومة الجديدة، بما يضعها أمام مسؤولية ترجمة الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة منذ سنتها الأولى.

لكن، إذا كانت الدولة تتبنى اليوم هذا التوجه الاجتماعي، فلماذا لم نشهد تدخلا مماثلا عندما كان الدعم المباشر موضع خلاف سنة 2016؟

أليس من حقنا أن نتساءل عن المسافة التي تقفها الدولة من مختلف الفاعلين السياسيين؟ وهل كانت الحسابات الحزبية والتفاوضية سببا في تعطيل خيار اجتماعي كان بالإمكان أن يرى النور في وقت أبكر؟

وهل كان عزيز أخنوش، في تلك المرحلة، مجرد فاعل حزبي يدافع عن تصور مختلف للدعم، أم أن موقعه في المشهد السياسي والتفاوضي أتاح له تأثيرا أكبر في مسار هذا الملف؟

لا أطرح هذه الأسئلة من باب الجزم بالنوايا، ولا أملك ما يسمح لي بالقول إن أحدا كان مكلفا بمهمة معينة. لكن من حقنا، في إطار النقاش السياسي المسؤول، أن نتساءل عن كيفية اتخاذ القرارات الكبرى، وعن حدود تأثير الأحزاب في الاختيارات الاستراتيجية للدولة.

فإذا كان الدعم الاجتماعي المباشر ضرورة اجتماعية اليوم، فقد كان الفقر والهشاشة موجودين بالأمس أيضا، وكانت الأسر المغربية في حاجة إلى هذا الدعم آنذاك كما هي في حاجة إليه اليوم.

وهنا يظل السؤال قائما: هل تغيرت الظروف التي كانت تحول دون تفعيل الدعم المباشر، أم تغيرت موازين القرار السياسي؟

ذلك أن تقييم السياسات العمومية لا ينبغي أن يقتصر على ما تحقق اليوم، بل يجب أن يمتد أيضا إلى ما تأخر تحقيقه، وإلى الأسباب التي حالت دون ذلك، حتى لا تبقى الإصلاحات الاجتماعية رهينة للحسابات السياسية، وحتى يكون المواطن قادرا على مساءلة الجميع عن القرارات التي تم اتخاذها، وتلك التي لم يتم اتخاذها في وقتها.

 

↑
Exit mobile version