تصاعد الطلاق بدرعة تافيلالت يثير القلق بشأن تماسك الأسرة وتراجع ثقافة الحوار بين الأزواج

لم يعد تفكك الروابط الزوجية مجرد شأن عائلي يطوى داخل جدران المنازل، بل أضحى قضية اجتماعية تستدعي نقاشا عميقاً حول التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، ولاسيما بجهة درعة تافيلالت، حيث تواجه العلاقات الزوجية تحديات متزايدة بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتغير أنماط العيش والتواصل داخل المجتمع.

ففي منطقة ظلت الأسرة الممتدة والتضامن العائلي من أبرز مرتكزات نسيجها الاجتماعي، تطرح تنامي حالات الانفصال تساؤلات حول مدى قدرة الأزواج على مواجهة الخلافات اليومية، والتوفيق بين متطلبات الحياة الزوجية وضغوط الواقع المعيشي، في ظل تغير التطلعات وتراجع بعض آليات الوساطة التقليدية التي كانت تساهم في احتواء النزاعات العائلية.

وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في أقاليم الرشيدية وميدلت وورزازات وزاكورة وتنغير، حيث تتداخل خصوصيات المجتمع المحلي مع التحديات المرتبطة بالهشاشة الاقتصادية، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الاجتماعية، وتفاوت فرص التأطير والتوجيه الأسري، الأمر الذي يجعل البحث عن مقاربات وقائية لحماية استقرار الأسرة ضرورة مجتمعية ملحة.

ومن بين التحولات التي تستحق التوقف عندها، التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي في طبيعة العلاقات الإنسانية، بعدما أصبحت منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” و”فيسبوك” جزءا من الحياة اليومية لفئات واسعة من الشباب، فهذه الوسائط، رغم ما توفره من إمكانات للتواصل وتبادل المعرفة، قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر للتوتر داخل الحياة الزوجية، خصوصا عندما تفتح الباب أمام المقارنات المستمرة بين الواقع المعيشي للأسر والصور المثالية التي تعرضها الحياة الافتراضية.

وفي بعض العلاقات، قد تؤدي التوقعات المبالغ فيها بشأن مستوى العيش أو المظاهر المادية إلى توسيع الهوة بين الزوجين، خاصة عندما تصطدم الإمكانات المحدودة بانتظارات مرتفعة لا تراعي الظروف الفعلية للأسرة، كما أن الإفراط في استعمال الهواتف الذكية، وضعف التواصل المباشر، والشكوك المرتبطة بالعلاقات الافتراضية، يمكن أن تزيد من حدة الخلافات، متى غابت الثقة والقدرة على الحوار والتفاهم.

غير أن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية تفاقم الطلاق يظل تبسيطا لظاهرة مركبة؛ إذ تتداخل معها عوامل أخرى، من قبيل الضغوط الاقتصادية، وصعوبة تدبير المسؤوليات المشتركة، وضعف الاستعداد النفسي والاجتماعي للزواج، فضلاً عن غياب مهارات التواصل وحل النزاعات.

وفي هذا السياق، يبرز عامل الاستعداد للحياة الزوجية باعتباره إحدى القضايا الأساسية التي تستدعي اهتماما أكبر بجهة درعة تافيلالت، فالزواج لا يقوم على المشاعر وحدها، بل يحتاج إلى وعي متبادل بالمسؤوليات والحقوق والواجبات، وإدراك لطبيعة التحديات التي قد تواجه الزوجين، سواء تعلق الأمر بتدبير المصاريف، أو تربية الأطفال، أو تنظيم العلاقة مع العائلتين، أو التعامل مع الاختلافات الشخصية والفكرية.

ومن هنا، تبرز أهمية التأطير القبلي للشباب المقبلين على الزواج، من خلال برامج توعوية وتكوينية تساعدهم على اكتساب مهارات الحوار والتفاوض وتدبير الخلافات، وتوضح لهم الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية للحياة الزوجية. فكلما كان قرار الزواج مبنيا على وعي ونضج واستعداد لتحمل المسؤولية، ازدادت فرص بناء علاقة قائمة على التفاهم والاستقرار.

وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال أثر تدخل المحيط العائلي في مسار عدد من العلاقات الزوجية، ففي مجتمعات الواحات والقرى والمراكز الحضرية الصغرى بالجهة، ما تزال الروابط الأسرية الممتدة تحتل مكانة مهمة، وتشكل في حالات كثيرة سندا اجتماعيا واقتصاديا للأزواج، غير أن هذا الدور قد يفقد طابعه الإيجابي عندما يتحول الدعم العائلي إلى تدخل مفرط في القرارات الخاصة بالزوجين، أو عندما تنقل الخلافات البسيطة إلى دائرة أوسع من الأطراف، فتتفاقم التوترات بدل احتوائها.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إبعاد الأسرة عن حياة الزوجين، بل إلى ترسيخ مفهوم جديد للتضامن العائلي يقوم على تقديم النصح والمساندة واحترام الخصوصية، مع تجنب فرض الاختيارات أو تأجيج النزاعات، فالأسرة الممتدة يمكن أن تكون عامل استقرار وحماية متى اضطلعت بدور الوساطة الحكيمة، واحترمت استقلالية العلاقة الزوجية.

ومن جهة أخرى، يطرح تنامي الوعي بالحقوق والواجبات داخل الأسرة تحديا يتمثل في ضرورة نشر ثقافة قانونية سليمة بشأن مقتضيات مدونة الأسرة، بما يضمن فهمها باعتبارها إطاراً لحماية الحقوق وصون الكرامة وتنظيم العلاقات الأسرية، وليس مجرد وسيلة لتغليب طرف على آخر.

فارتفاع وعي النساء بحقوقهن، وتمكينهن من سبل الانتصاف من العنف والإساءة، يشكلان مكسبا أساسيا لا ينبغي التعامل معه باعتباره سببا في تفكك الأسرة، وفي المقابل، فإن استقرار الحياة الزوجية لا يتحقق بمجرد معرفة الحقوق القانونية، بل يحتاج أيضا إلى احترام متبادل، وتحمل للمسؤولية، والتزام بالواجبات، مع ضمان حق كل طرف في الحماية والإنصاف.

كما أن اللجوء إلى القضاء لإنهاء العلاقة الزوجية، بما في ذلك مسطرة التطليق للشقاق وفق الضوابط القانونية، لا ينبغي النظر إليه من زاوية التسرع أو التراجع عن قيم الأسرة بصورة مطلقة؛ فقد يكون الانفصال حلا مشروعا وضروريا في حالات يستحيل فيها استمرار العلاقة بصورة سليمة، لذلك، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في توفير فرص الإصلاح والوساطة متى كانت ممكنة ومقبولة من الطرفين، دون المساس بالحقوق أو الضغط على أي طرف للاستمرار في علاقة مؤذية.

وفي جهة درعة تافيلالت، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز خدمات الإرشاد الأسري والوساطة الاجتماعية، وتوسيع المبادرات التحسيسية التي تستهدف الشباب والأزواج، مع إشراك جمعيات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والقطاعات المعنية بالشؤون الاجتماعية والعدالة والأسرة، كما يمكن للمؤسسات الدينية والإعلام المحلي أن تضطلع بدور مهم في نشر قيم التسامح والحوار والتفاهم، بعيدا عن الخطاب الذي يحمل أحد الجنسين وحده مسؤولية الطلاق.

ويظل العامل الاقتصادي بدوره حاضرا في هذا النقاش، بالنظر إلى ما قد تفرضه محدودية الدخل، والبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير السكن المستقل، من ضغوط على الأزواج، خصوصا في بداية حياتهم المشتركة، وهي تحديات تستدعي مقاربة تتجاوز التوعية الأخلاقية إلى سياسات اجتماعية واقتصادية تساند الأسر، وتيسر ولوجها إلى خدمات المواكبة والاستشارة.

إن حماية الأسرة بجهة درعة تافيلالت لا تعني التمسك بالعلاقات الزوجية بأي ثمن، ولا إلقاء اللوم على التحولات المجتمعية أو على فئة دون أخرى، بل تقتضي فهماً موضوعيا لأسباب الخلافات، وتمييزا بين النزاعات التي يمكن احتواؤها بالحوار وتلك التي تستوجب تدخلا قانونيا لحماية الحقوق والسلامة والكرامة.

وبين التحولات التي يعرفها المجتمع والتحديات التي تواجه الأزواج، يبقى الرهان الأساسي هو بناء وعي جديد بالزواج باعتباره شراكة تقوم على الاختيار المسؤول والتفاهم والتكافؤ وتقاسم الأعباء، كما أن تعزيز الاستقرار الأسري بالجهة يقتضي الانتقال من ردود الفعل بعد وقوع الانفصال إلى سياسات وقائية تستثمر في التوجيه والتأطير والمواكبة الاجتماعية.

فدرعة تافيلالت، بما تختزنه من رصيد ثقافي واجتماعي وقيم التضامن والتكافل، قادرة على جعل هذا الرصيد منطلقا لتجديد ثقافة الأسرة، شريطة مواكبة التحولات الراهنة بأدوات حديثة، تقوم على المعرفة والحوار واحترام الحقوق، ذلك أن الحفاظ على تماسك المجتمع يبدأ من دعم الأسر، وتمكين أفرادها من بناء علاقات سليمة، ومنحهم الوسائل اللازمة لمواجهة الخلافات قبل أن تتحول إلى قطيعة نهائية.

↑
Exit mobile version