ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: تمثيلية المحاسبين المعتمدين بالمغرب بين شرعية الانتخابات وعدالة التوزيع المجالي: أسئلة محرجة أمام المجلس الوطني الجديد

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله 

خبير في المالية والتدقيق والحكامة محاسب معتمد

ليست الانتخابات المهنية مجرد عملية لملء المقاعد وتوزيع المسؤوليات داخل الأجهزة التنظيمية، بل هي، في جوهرها، آلية لتجديد الثقة وترسيخ المشاركة وضمان نقل انشغالات المهنيين إلى مراكز القرار. ومن هذا المنطلق، فإن نتائج انتخابات المجلس الوطني للمنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، المعلن عنها في أكتوبر 2026، تستحق قراءة نقدية تتجاوز أسماء الفائزين ومواقعهم داخل المكتب المسير، لتطرح سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى تحقق التوازن في التمثيلية المجالية، وقدرة المؤسسة المهنية على التعبير عن مختلف مكونات الجسم المهني عبر التراب الوطني.

فوفق المعطيات التي نشرتها جريدة «تنوير» بتاريخ 27 أكتوبر 2026، أسفرت الانتخابات التي جرت يوم 22 أكتوبر عن انتخاب 13 عضواً رسمياً و13 عضواً نائباً، فيما أُسندت رئاسة المجلس الوطني إلى أحمد الرامي، والكتابة العامة إلى محمد المرس، الذي تصدر ترتيب الأعضاء المنتخبين بحصوله على 111 صوتاً. كما أوردت الصحيفة أسماء منتخبين ينتمون إلى مدن من بينها فاس ومراكش وأكادير والدار البيضاء وبرشيد والسمارة والناظور وطنجة.

غير أن قراءة هذه النتائج من زاوية التوزيع الجغرافي تثير ملاحظة تستحق النقاش: عدم ظهور تمثيلية مباشرة لجهات درعة تافيلالت وبني ملال والرباط والداخلة ضمن لائحة الأعضاء الرسميين الثلاثة عشر المنشورة في المقال الصحفي. وهذه الملاحظة، وإن كانت لا تكفي وحدها للحكم على شرعية العملية الانتخابية أو نفي حضور هذه الجهات في باقي هياكل المنظمة، فإنها تفتح نقاشاً مشروعاً حول عدالة التمثيل، وتكافؤ الفرص في المشاركة المهنية، ومدى انعكاس التنوع الجغرافي للمملكة على تركيبة مؤسساتها المهنية.

فالمغرب ليس فضاءً اقتصادياً متجانساً، كما أن ممارسة المحاسبة المعتمدة لا تجري في ظروف متماثلة بين جميع المدن والجهات. فالمهني العامل في الدار البيضاء، بما توفره من كثافة اقتصادية ومؤسسات مالية وإدارية، قد يواجه تحديات تختلف في طبيعتها عن تلك التي يواجهها زميله في الرشيدية أو ميدلت أو ورزازات أو بني ملال أو الداخلة. وقد تتصل هذه التحديات بالولوج إلى التكوين المستمر، أو قرب الخدمات المهنية، أو طبيعة النسيج المقاولاتي المحلي، أو كلفة التنقل، أو صعوبة التواصل المنتظم مع المؤسسات المركزية.

ومن ثم، فإن غياب التمثيلية المباشرة لبعض المناطق عن اللائحة المنشورة يثير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن ضمان وصول صوت المحاسب المعتمد في الجهات غير الممثلة إلى المجلس الوطني بالفاعلية نفسها التي يتمتع بها المهنيون الموجودون في المدن الممثلة؟ إن مجرد القول إن المجلس يمثل جميع المحاسبين على الصعيد الوطني لا يعفيه من مسؤولية تطوير آليات ملموسة تضمن المشاركة والاستماع والتفاعل مع مختلف الجهات، خصوصاً عندما تكون المسافات الجغرافية والاختلافات الاقتصادية عوامل مؤثرة في الممارسة المهنية اليومية.

ويزداد هذا النقاش أهمية عندما يتعلق الأمر بجهة درعة تافيلالت، التي تضم أقاليم واسعة من بينها الرشيدية وميدلت وتنغير وورزازات وزاكورة، وتتميز بخصوصيات اقتصادية ومجالية تجعل القرب من المؤسسات المهنية والتكوين المتخصص عاملاً مهماً في تحسين جودة الخدمات. كما أن غياب أسماء من بني ملال والرباط والداخلة عن اللائحة الرسمية المنشورة يثير تساؤلات حول مدى اتساع قاعدة التمثيل الجغرافي داخل المجلس الجديد، ويستدعي تقديم معطيات دقيقة عن توزيع المترشحين والناخبين والمنتخبين بحسب الجهات، بدل الاكتفاء بالانطباعات العامة.

إن النقد هنا لا يستهدف أشخاصاً بعينهم، ولا ينتقص من شرعية الفائزين الذين أفرزتهم الأصوات، بل يتجه إلى نموذج التمثيلية نفسه، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين الشرعية الانتخابية والعدالة المجالية. فليس من المنطقي أن تتحول المنافسة على المقاعد إلى معيار وحيد لتقييم نجاح المؤسسة، دون أن يصاحبها تفكير مؤسساتي في كيفية ضمان وصول مختلف الأصوات المهنية إلى أجهزة القرار. وقد يكون الانتخاب الفردي السري، الذي ينص عليه القانون، سليماً من الناحية الإجرائية، ومع ذلك تظل الحاجة قائمة إلى تطوير وسائل المشاركة والتشاور بما يعزز شمولية التمثيل.

وفي هذا الصدد، تنص المادة 34 من القانون رقم 127.12 على انتخاب الأعضاء الرسميين والنواب بالاقتراع الأحادي الاسمي السري، وإعلان انتخاب المترشحين الحاصلين على أكبر عدد من الأصوات. كما تحدد المادة 37 مكونات المجلس الوطني، بما يشمل الرئيس ونائبيه والكاتب العام ونائبه وأمين المال ونائبه وستة مستشارين. ولا يظهر من هاتين المادتين، في حد ذاتهما، إقرار نظام حصص جهوية يضمن مقعداً لكل جهة؛ لذلك فإن المطالبة بتوازن مجالي أكبر ينبغي أن تتجه إلى دراسة الخيارات التنظيمية والقانونية الممكنة، مع احترام قواعد الانتخاب وضمان المساواة بين المترشحين.

ومن جهة أخرى، فإن تصدر محمد المرس النتائج الانتخابية بحصوله على 111 صوتاً، وفق ما نشرته الصحيفة، ثم توليه مهمة الكاتب العام، يطرح بدوره نقاشاً حول العلاقة بين ترتيب الأصوات وتوزيع المسؤوليات داخل المكتب المسير. والأمر هنا لا يتعلق بالطعن في الاختيار، وإنما بالتأكيد على ضرورة توضيح المساطر المعتمدة في إسناد المسؤوليات، وضمان الشفافية في اتخاذ القرارات، حتى تكون الصورة واضحة أمام المهنيين. فالكتابة العامة ليست مجرد منصب إداري، بل وظيفة محورية في تتبع تنفيذ القرارات، وضبط الوثائق والمحاضر، وتنظيم التواصل المؤسساتي، ومواكبة تنفيذ برنامج العمل.

إن المجلس الوطني الجديد مدعو، في هذا السياق، إلى عدم التعامل مع إشكالية التمثيلية الجهوية باعتبارها مسألة ثانوية، لأن قوة المؤسسة المهنية لا تقاس فقط بمدى احترامها للمساطر الانتخابية، بل أيضاً بقدرتها على الاستماع إلى أعضائها، وتمثيل انشغالاتهم، وتوفير فرص متكافئة للاستفادة من خدماتها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إحداث آلية دائمة للتشاور مع المهنيين في الجهات غير الممثلة مباشرة، وتنظيم لقاءات دورية، وإتاحة المشاركة عن بُعد، ونشر تقارير دورية تتضمن مطالب المهنيين والإجراءات المتخذة بشأنها.

كما أن المرحلة المقبلة تستدعي نشر معطيات إحصائية واضحة بشأن توزيع المترشحين والناخبين والأصوات حسب المدن والجهات، متى كانت هذه البيانات متاحة قانوناً، حتى يتسنى تقييم واقع المشاركة بصورة موضوعية. فمن دون هذه المعطيات، يصعب تحديد ما إذا كان غياب التمثيل المباشر لبعض الجهات ناتجاً عن ضعف عدد المترشحين، أو طبيعة المشاركة الانتخابية، أو عوامل أخرى تتطلب دراسة مستقلة. والشفافية هنا ليست مجرد مطلب إعلامي، بل أداة لتشخيص الاختلالات المحتملة وبناء حلول عملية تستند إلى الوقائع.

وفي تقديري، فإن المجلس الوطني أمام فرصة لتحويل هذا النقاش إلى ورش إصلاحي حقيقي، عبر وضع ميثاق للتمثيلية والتواصل الجهوي، وتحديد برنامج سنوي للزيارات واللقاءات المهنية، وإشراك ممثلي مختلف المناطق في إعداد مقترحات تطوير المهنة. كما يمكن التفكير، في إطار مراجعة النصوص التنظيمية عند الاقتضاء، في آليات تشجع التنوع المجالي دون الإخلال بالمبادئ الأساسية للانتخاب الحر وتكافؤ الفرص.

إن المحاسبين المعتمدين في درعة تافيلالت وبني ملال والرباط والداخلة، شأنهم شأن زملائهم في بقية المملكة، يستحقون أن تكون انشغالاتهم حاضرة في النقاش الوطني، وأن تتاح لهم قنوات فعلية للمساهمة في صياغة القرارات المهنية. فالتمثيلية لا ينبغي أن تظل مرتبطة فقط بمن فاز بمقعد، بل يجب أن تتجسد كذلك في قدرة المؤسسة على الإنصات إلى من لم يصلوا إلى مراكز القرار، وضمان ألا تتحول المسافة الجغرافية إلى مسافة مؤسساتية.

إن الرسالة الأساسية التي تفرضها هذه النتائج هي أن الشرعية الانتخابية والتوازن المجالي ليسا مفهومين متعارضين؛ فالأولى تحدد من فاز وفق القواعد المعتمدة، والثاني يطرح سؤالاً مشروعاً حول كيفية جعل المؤسسة أكثر قرباً من جميع المهنيين. وبين احترام نتائج الاقتراع والعمل على تطوير آليات التمثيل والتشاور، تتحدد مسؤولية المجلس الوطني الجديد في بناء منظمة مهنية تتسع لجميع أعضائها، وتستمد قوتها من الشفافية والإنصاف والقدرة على تحويل الاختلافات الجغرافية إلى مصدر للتكامل لا سبباً للشعور بالتهميش.

↑
Exit mobile version