عمود الجهة 8 ..”شرجم” : الحلقة الأولى : الصحراء الشرقية مصطلح سياسي لايضم سوى بشار وتوات وتندوف

ينتشر لدى الكثير من الناس لبس و خلط، و تداخل غير مقصود بين ما يصطلح عليه بالصحراء الشرقية و ما يعرف بصحراء الجنوب الشرقي، فالأولى مصطلح سياسي و الثانية مصطلح جغرافي، و على الرغم من التجاور و المشترك التاريخي و الاجتماعي العميق بينهما، فإن الفصل ضروري من الناحية الاجرائية و العملية .
إن اقليم الرشيدية و ورززات و زاكورة و فجيج و غيرها تنتمي لصحراء الجنوب الشرقي، و لكنها ليست من الصحراء الشرقية، و الصحراء الشرقية تنتمي بعض أجزائها للجنوب الشرقي، كبشار بينما تندرج بعض إجزائها الأخرى ضمن الجنوب الغربي كتندوف، و عليه فمصطلح الصحراء الشرقية، هو مصطلح سياسي و تاريخي، و ليس جغرافيا، تندرج تحته المنطقة التي لم تحتلها تركيا، و هي التي كانت موضوع الخلاف بين السلطان مولاي عبد الرحمان و السلطة الفرنسية بالجزائر إبان التفاوض حول معاهدة للا مغنية في سنة 1845م، فتراب الصحراء الشرقية كان حاضرا بقوة في المفاوضات التي قادها من الجانب المغربي العامل على وجدة حميدة بن على السجعي في عهد السلطان مولاي عبد الرحمان .
و ترتيبا على ذلك، و رفعا لكل التباس، فالرشيدية و فجيج ليستا من الصحراء الشرقية التي هي فقط مناطق بشار و توات ( أدرار ) و تندوف، لأنها هي التي كانت الحد الفاصل بين الأتراك في الجزائر و المغرب، و هي موضوع الخلاف بينه و فرنسا، و بقيت كذلك بعد الاستقلال، و بسببها نشبت حرب الرمال في أكتوبر 1963، و كانت المحرك الأساس و الداعي الأول، لابرام اتفاقية الحدود بين المغرب و الجزائر في سنة 1972 و هي المعروفة بمعاهدة افران .
مهدت فرنسا لاقتطاع الصحراء الشرقية بابرام اتفاقيات باريس مع المغرب في سنتي 1901 و 1902، و قبل التوقيع عليها كانت تتربع على واسطة عقدها، توات، ففرنسا أحكمت سيطرتها عليها في عام 1900، و عينها على بشار، بلاد ذوي منيع و أولاد جرير، فغزتها في سنة 1903 .
و تشاء صدف التاريخ الماكرة أن تظل هذه المنطقة منذ الغزو التركي للجزائر في عام 1516، و بعده الاستعمار الفرنسي الذي بدأ بسنة 1830، بؤرة ملتهبة، واجه سكانها وحدهم، الغرباء بشجاعة قل نظيرها و حافظوا على عروبتها و استقلالها، و ظلوا على امتداد تاريخ الحكم التركي للجزائر خارج نفوذه، كما أخروا بامكانياتهم الخاصة غزو فرنسا للمنطقة، فلم تسقط توات سوى في سنة 1900، و بشار في سنة 1903 و تندوف في سنة 1934 أي بعد 70 و 73 و 104 سنة على التوالي بعد استعمار الجزائر .
فهذه البلاد التي تعذر على الأتراك ضمها، ولم تطأ أقدام الغزاة الفرنسيين ترابها سوى بعد مدة طويلة من احتلال الجزائر، قفلت حلقة القرن، هي بدون شك بلاد لها خصوصيتها و لها تاريخها، و ما توجد فيه اليوم هو فقط حالة شرود للتاريخ و جحود للجغرافيا و عهر للسياسة .
الصحراء الشرقية طيلة قرون من الزمان لم تكن ضمن التراب الجزائري الذي ضمته الامبراطورية العثمانية لترابها في سنة 1516 م، و لا هي كانت فيه لما سلمه الأتراك للفرنسيين في عام 1830، أي على امتداد ما يزيد عن أربعة قرون ( 400 سنة ) لم يكن للصحراء الشرقية أي ارتباط بالتراب الجزائري، سوى ابتداء من سنة 1900 لما غزت فرنسا منطقة توات، فابتداء من هذا التاريخ بدأ الاستعمار تارة يطلق على المنطقة ” جنوب وهران ” Le sud Oranais و تارة أخرى يتحدث عليها و كأنها امتداد ترابي للامبراطورية الشريفة.