منبر الجهة8ورزازات

محمد العفو يكتب .. ورزازات دون مركز للأبحاث الأكاديمية.

تعد مراكز الأبحاث والدراسات ركيزة أساس للنهوض بالسياسات التنموية المحلية والجهوية والوطنية؛ حيث تساهم في إنتاج المعرفة الملائمة لنطاقات جغرافية محددة، والمساعدة في حل المشكلات المحلية الاجتماعية والاقتصادية، ودعم صنع القرار الاستراتيجية مع تدقيق المعطيات وتحينها؛ وأكثر من ذلك، فهي تجمع الباحثين الوطنين والدوليين من مختلف التخصصات للتفاعل مع تحولات العالم المعاصرة، وهذا ما يجعل من تلك المراكز منصات لتبادل المعارف والنتائج والخبرات والتقنيات وتطوير الابداعات والابتكارات لمواكبة التحولات والاستجابة للتطلعات. إن هذه الوظائف وغيرها والتي لا غنى عنها، تضاعف أهمية مراكز الأبحاث لتحسين تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجودة الحياة.

وفيما أنشأت العديد من المدن المغربية مراكز أبحاث متعددة ومختلفة، تصل حد الاهتمام بتخصصات محددة، لا تزال ورزازات بعيدة عن هذا المنال؛ إذ تفتقر إلى مركز خاص بها قائم الذات- إلى حدود الساعة- تشرف على أنشطته الأكاديمية جهة لها دراية بأغراضه ومقاصده، نذكر منها: الإشراف على إجراء بحوث ودراسات التي ستشكل جزءا أساسيا من رسالته وأهدافه؛ وتشجع القيادات على دعم نشاط الباحثين ومنحهم الأولوية ودعمهم.

يمكن أن تكون الشراكات بين جامعة ابن زهر- والتي توسع مؤسساتها وتنوع عرضها البيداغوجي بالمدينة- وبين الأكاديميين والممارسين داعمة لهذا الطموح، إذ هي بلا شك مفيدة للسياسات العمومية في المدينة؛ لأنها تقدم خدمة للترافع حول تنمية مناطق الجنوب في مجالات: السينما والتراث المحلي والسياحة والاقتصاد المستدام والطاقات المتجددة والمعادن والتعمير…، وكلها تندرج ضمن سياسات خاصة بورزازات. في هذا الصدد، وإذا ما قام هذا الطموح، سيعزم الباحثون على تصميم سياسات مدعومة نظريا، بينما يستفيد الممارسون من منهجية بحثية وتقييمية علمية ودقيقة واختبارية لكياناتهم المحلية لطلب الدعم الخارجي والحفاظ عليه.

رغم أن هناك عددا من الأبحاث والدراسات- لا بأس بها- حول مناطق الجنوب؛ منها: ورزازات، إلا أنه يوجد نقص واضح في اتساقها وفي رؤية تصوغ النتائج لأخذها بعين الاعتبار في خطط المدينة، بما يعنيه ذلك من تحليل أفضل الممارسات الناجعة والمتعلقة بتنمية المدينة عبر الشراكات؛ لا سيما في شراكات البحث الرسمية التي تشمل التعاقد مع مراكز بحثية جامعية. ويعود هذا النقص إلى غياب مركز أبحاث ومن ثمة لوظيفته العلمية في المدينة.

فماذا يعني أن يكون لورزازات مركز أبحاث؟ إن التوجه نحو هذا المشروع هو إعلان لمواجهة تحديات جمة؛ من خلال الاستشراف المبكر الرصين، ومواجهة قضايا التنمية المستدامة في فضاء عمومي، وكلاهما في مصلحة المدينة نفسها. بناء على ذلك، سيقدم المشروع:

أولا، من حيث فكرته، سياقا نظريا علميا ونفعيا حول ضرورة مركز بحثي وأهميته النظرية ضمن نطاق المدينة التي تعرف مؤسسات جامعية رغم فتوتها. فعادة ما يقدم هذا النوع من المراكز أبحاثا ودراسات وتحليلات استراتيجية، وتفكيرا في بدائل واقعية تساعد المسؤولين على دعم اتخاذ قرار مبنية على أدلة علمية موثقة.

ثانيا، تحديدا للأوليات البحثية للمنطقة، لتأسيس مقاصد المركز على ما يستجيب لحاجات المجتمع المحلي، بناء على حصر الفرص وتثمينها والدفاع عنها، ونقد الممارسات الداخلية والخارجية التي تحول دون تحقيق العدالة المحلية والمجالية والانصاف التاريخي.

ثالثا، تصورا من خلاله يرمي المركز البحثي نفسه الحصول على تمويل للبحوث والأنشطة- عقد المؤتمرات والندوات وأورش عمل وإصدار المطبوعات والتقارير- أو يرمي توفيره من جهات خارجية؛ مثل: الهيئات الحكومية، والمنظمات الخاصة والمؤسسات الصناعية.

رابعا، إفادات من دروس تتعلق بالتنفيذ والتقويم، وتحليلا للعوائق التنموية المحتملة، فضلا عن التوجهات الجديدة ذات الطابع البحثي التي يمكن للمركز إضافتها إلى الشراكات بين الأكاديميين والفاعلين عامة، خدمة للباحثين والمجتمع، من خلال توفير قاعدة بيانات وتسهيلات مكتبية وميدانية تخدم الباحثين، وتمكين البحث العلمي في قضايا مجتمع المدنية.

خامسا، أرضية فيها يتعاون باحثو المركز بانتظام مع منظمات داخلية وخارجية. فقد تختلف المؤسسات البحثية في تخصصها ومعاييرها وحجمها، وفي البرامج التي تقدمها، لكنها جميعا تشترك في التركيز والالتزام بالبحث الذي يقوم به الباحثون والطلاب للتأثير العلمي على الرأي العمومي المحلي، وللحجاج العميق أثناء صياغة السياسات العمومية، مع نشر الوعي العلمي والثقافي، بعد الاعتكاف على دراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

سادسا، إشراك الأعضاء الباحثين في المركز بنشاط في البحث والنشر طوال مسيرتهم البحثية. وغالبا ما يدعم الطلاب هذا النشاط؛ فقد يخصصون جزءا كبيرا من دراساتهم لمساعدة الباحثين في المركز في أبحاثهم مع تطويرها وإغنائها. ويظهر أن المركز سيسخر فرصا للطلاب الجامعيين قصد المشاركة المبكرة في الفضاء العمومي، والمساعدة بأبحاث بنيوية؛ ففي العديد من المراكز البحثية الوطنية والدولية، يقود طلاب الدكتوراه وما بعد الدكتوراه أنفسهم مشاريع أبحاث خاصة بهم تحت إشراف لجن علمية وتنظيمية، وبإشراف من أعضاء المراكز العلميين والإداريين. وهكذا، في هذا المركز، يمكن للطلاب- مهما كان انتسابهم الجامعي- الخوض في تجاربهم البحثية الخاصة وتجريب مشاريعهم المستقبلية، واكتساب مهارات التواصل الدولي، وبناء رؤى وخبرات قيّمة خلال هذه العملية.

عامة، وبمثل هذا المركز البحثي، ستعتمد السياسيات العمومية في مدينة ورزازات على معرفة مبنية على أدوات علمية، ومن شأن انتشار  تلك المعرفة أن تشهد نقاشا حرا مبنيا؛ لأن مجتمع المعرفة اليوم يعتمد على الثراء المعرفي عبر المؤسسات، وإتاحة المعلومة التي بها سينهض مجتمع المدينة ويتقدم.

مقالات ذات صلة

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى