
في تطور صادم هزّ الرأي العام المحلي، تفجّرت بالمركز الاستشفائي الإقليمي سيدي احساين بمدينة ورزازات قضية يُشتبه في ارتباطها بطلب وتلقي رشوة مقابل تسليم شواهد طبية، بعدما أوقفت المصالح الأمنية طبيبين، أحدهما مغربي والآخر يحمل الجنسية الأردنية، على خلفية هذه الوقائع.
وكشفت مصادر مطلعة لجريدة “الجهة الثامنة” أن تفاصيل الملف تعود إلى حادثة سير تعرض لها تلميذان، مساء الأحد 15 فبراير الجاري، حوالي الساعة السادسة، بمنطقة “أيت يدير” التابعة لجماعة أيت سدرات، قرب بومالن دادس بإقليم تنغير، الحادث أسفر عن إصابة التلميذين بجروح استدعت نقلهما في مرحلة أولى إلى المستشفى المحلي ببومالن دادس، قبل تحويلهما إلى مستشفى سيدي احساين بورزازات لاستكمال الفحوصات الطبية والعلاج.
ووفق المعطيات المتوفرة، فقد وصل المصابان إلى قسم المستعجلات حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، حيث خضعا للعلاج الضروري، بما في ذلك خياطة جروح أحدهما وإجراء فحوصات بالأشعة للتأكد من عدم وجود كسور أو مضاعفات خطيرة.
غير أن مسار العلاج أخذ منحى آخر في اليوم الموالي، حين توجّه والد أحد التلميذين إلى المستشفى ذاته لطلب شهادة طبية قصد الإدلاء بها لإدارة المؤسسة التعليمية.
وبحسب المصادر ذاتها، فقد أُبلغ الأب من طرف طبيب المستعجلات بعدم اختصاصه القانوني في توقيع الشواهد الطبية، مع نصحه بالتوجه إلى المؤسسة الصحية التابعة لمحل سكناه.
إلا أن تمسك الأب بالحصول على الشهادة من المؤسسة التي عولج بها ابنه فتح الباب أمام تطورات خطيرة، إذ تدخل طبيب آخر من جنسية أردنية، واقترح عليه العودة في اليوم التالي، مشيراً إلى إمكانية تسليمه الشهادتين مقابل مبلغ مالي، وقد حُدد المبلغ، حسب المصدر ذاته، في 500 درهم عن كل شهادة، أي ما مجموعه 1000 درهم، وهو ما اعتبره الأب ابتزازاً صريحاً يستوجب التبليغ.
أمام هذا الوضع، لجأ المعني بالأمر إلى الرقم الأخضر المخصص للتبليغ عن جرائم الرشوة، لتباشر الجهات المختصة تنسيقاً مباشراً معه. وبتعليمات من النيابة العامة، تم توجيهه إلى مكتب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بورزازات، حيث جرى إعداد كمين محكم بتنسيق مع عناصر الشرطة القضائية.
وبعد توثيق المبلغ المالي وتصوير أرقامه التسلسلية، انتقل الأب برفقة عناصر أمن بزي مدني إلى المستشفى. ووفق ما أكدته مصادر الجريدة، فقد دخل إلى مكتب الطبيب المعني وتسلم الشهادة الطبية، قبل أن يسلمه المبلغ المتفق عليه، لتتم في تلك اللحظة مداهمة المكتب وضبط الطبيب المغربي في حالة تلبس بحيازة مبلغ الرشوة.
وقد تقرر وضع الطبيب الموقوف تحت تدبير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في انتظار عرضه على أنظار العدالة، حيث حُدد تاريخ 26 فبراير الجاري موعداً لأول جلسة لمحاكمته. أما الطبيب الأردني، الذي تشير المعطيات إلى أنه اضطلع بدور الوسيط في ترتيب العملية، فقد جرى توقيفه بدوره، أمس الأربعاء، في أفق تعميق البحث معه وإحالته على وكيل الملك لاتخاذ المتعين قانوناً.
وفي سياق متصل، أفادت المصادر ذاتها أن مسؤولاً بالمؤسسة الصحية أقرّ بوجود شبهات سابقة كانت تحوم حول الطبيبين بخصوص طلب مبالغ مالية مقابل خدمات إدارية وطبية، مضيفاً أن الإدارة كانت تنتظر، منذ نحو ثلاثة أشهر، توفر معطيات وأدلة دامغة لتأكيد تلك الشبهات.
القضية، التي أعادت إلى الواجهة إشكالية الرشوة في بعض المرافق العمومية، تطرح أسئلة ملحّة حول آليات المراقبة الداخلية بالمؤسسات الصحية، وسبل تعزيز الشفافية وحماية المرتفقين، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية ومسار المتابعة القضائية.






