مجتمعمنبر الجهة8

مولاي الحسن الصوصي يكتب .. حين يتحول دعم النقل الجوي إلى عنوان لهدر المال العام بمجلس الجهة

ليس من قبيل الصدفة أن يتحرك أغلبية أعضاء مجلس جهة درعة تافيلالت اليوم لفتح ملف الشراكة مع شركة الخطوط الملكية المغربية، فالقضية تجاوزت منذ زمن حدود “التدبير العادي” لتدخل مربع الشبهة السياسية والمالية، حيث تُصرف الملايير باسم التنمية، بينما تبقى الجهة حبيسة العزلة والتهميش.

لقد رُوّج لهذه الاتفاقية على أنها رافعة لفك العزلة وتحفيز الاستثمار وإنعاش السياحة، لكن الواقع يكشف شيئاً آخر: رحلات مدعومة لا تُقلع بالتنمية، وخزينة جهوية تُستنزف بلا مقابل اجتماعي أو اقتصادي ملموس. فأين هي المشاريع التي وُعد بها المواطن؟ وأين هو الأثر الذي يُبرر ضخ هذه الأموال العمومية؟

الأخطر في هذا الملف ليس فقط فشل النتائج، بل استمرار الصمت السياسي الذي رافقه لسنوات، وكأن المال العام لا يحتاج إلى تبرير، وكأن المحاسبة ترفٌ إداري لا ضرورة دستورية. إن تحويل دعم النقل الجوي إلى شيك على بياض لفائدة شركة واحدة، دون تقييم صارم أو مراجعة دورية، يُعد انزلاقاً خطيراً في تدبير الشأن الجهوي، ونسفاً عملياً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

تحرك أعضاء المجلس لإدراج هذه النقطة في دورة مارس ليس مجرد إجراء تقني، بل هو إعلان ضمني بأن مرحلة التواطؤ بالصمت قد انتهت، وأن زمن تمرير الاتفاقيات الكبرى دون مساءلة يجب أن يُطوى. فإما أن تثبت هذه الشراكة جدواها بأرقام واضحة ومؤشرات دقيقة، أو أن تُدرج في خانة الصفقات الفاشلة التي كلفت الجهة سنوات من التنمية الضائعة.

ما يثير الاستفزاز حقاً هو أن هذا الدعم يُبرَّر باسم فك العزلة، في وقت لا تزال أقاليم درعة–تافيلالت تعيش عزلة بنيوية في الطرق، وفي الاستثمار، وفي الخدمات الأساسية. فكيف يُعقل أن تُصرف الملايير على الطائرات، بينما المواطن لم يجد بعد قطار التنمية على الأرض؟

إن النقاش المرتقب داخل مجلس الجهة يجب ألا يكون نقاشاً شكلياً لتبرئة الذمم، بل مواجهة سياسية حقيقية مع سؤال واحد لا غير:

من المستفيد الحقيقي من هذه الاتفاقية؟ الجهة أم الشركة؟

وإذا ثبت أن هذه الشراكة لم تكن سوى واجهة أنيقة لهدر المال العام، فإن الاستمرار فيها يُعد مشاركة مباشرة في الفشل، وتكريساً لمنطق الريع باسم التنمية. فإما مراجعة جذرية تعيد الاعتبار لمصلحة الساكنة، أو قرار شجاع بإنهائها، وإحالة خلاصاتها على كل المؤسسات الرقابية المختصة.

لقد آن الأوان لوقف نزيف الشراكات المعقمة، ووضع حد لمنطق “الدعم دون محاسبة”، لأن درعة–تافيلالت لا تحتاج إلى طائرات مدعومة بقدر ما تحتاج إلى قرارات جريئة تُقلع بها نحو تنمية حقيقية، لا نحو سماء الشعارات.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى