يوسف الكوش يكتب…إلى متى ستظل جهة درعة تافيلالت منطقة تأديب إداري؟

تتنامى في الأوساط المحلية بجهة درعة تافيلالت خلال السنوات الأخيرة قناعة راسخة مفادها أن الجهة أضحت وجهة جاهزة لاستقبال مسؤولين تم إعفاؤهم، أو أثيرت حولهم شبهات وتجاوزات في مدن كبرى ليجدوا أنفسهم في مناصب جديدة داخل مدن الإقليم والجهة، في ما يصفه فاعلون محليون بـ”عقوبات مقنّعة” أو “ترحيل إداري” بعيداً عن مراكز القرار.

هذا الواقع، الذي يتداوله الشارع المحلي بكثير من الإمتعاض، يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق تدبير الموارد البشرية في المناصب العليا، وحول المعايير المعتمدة في تعيين المسؤولين بجهة تعد من بين أكثر الجهات حاجة إلى كفاءات ميدانية ذات تجربة نزيهة، ورؤية تنموية واضحة.

وتفيد معطيات متداولة بأن عدداً من المسؤولين الذين جرى إعفاؤهم من مهامهم في مدن أخرى، عقب تسجيل اختلالات أو إثارة جدل بشأن طريقة تدبيرهم، تم تعيينهم لاحقاً في مناصب مسؤولية داخل جهة درعة تافيلالت، ورغم أن الإعفاء في حد ذاته لا يُعدّ بالضرورة دليلاً على ثبوت مخالفات جسيمة، فإن إعادة تعيين الأسماء نفسها في مواقع جديدة، دون صدور توضيحات رسمية بشأن خلفيات هذه القرارات، يفتح المجال أمام قراءات وتأويلات تعتبر الجهة بمثابة “منطقة عبور” أو “محطة لإعادة الانتشار” لبعض المسؤولين الذين لم يعد مرغوباً في استمرارهم في مناصب سابقة بمناطق أخرى.

ويذهب متتبعون إلى أن هذا الأسلوب في التدبير يكرّس صورة سلبية عن الجهة، وكأنها مجال جغرافي و إداري ثانوي يمكن فيه اختبار أو إعادة تدوير المسؤولين، بدل أن تكون أولوية وطنية تتطلب ضخ طاقات جديدة قادرة على إحداث قفزة نوعية في مسار التنمية.

و أصبح من باب التكرار الممل، القول بأن جهة درعة تافيلالت تواجه إعاقة تنموية عميقة، تشمل ضعف البنيات التحتية في عدد من المناطق القروية، محدودية فرص الشغل، هشاشة الكثير من القطاعات الحيوية،تفاوتات مجالية واضحة بين المراكز الحضرية والدواوير النائية، إضافة إلى تذمر شعبي واسع من بطء إنجاز المشاريع، وتعثر برامج تنموية طال انتظارها.

وفي ظل هذه الإكراهات، يرى فاعلون مدنيون أن تعيين مسؤولين تحوم حولهم شبهات، أو ارتبطت أسماؤهم بتجارب غير ناجحة في مدن أخرى، لا يسهم إلا في تعميق أزمة الثقة بين مواطني الجهة و الماسكين بالقرار المركزي، ويغذي الشعور بالتهميش والإقصاء.

تستمر معاناة الإقليم والجهة، وفق عدد من الفاعلين المحليين، نتيجة ما يعتبرونه غياباً لصرامة أكبر في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وغياب آليات واضحة لتقييم الأداء الإداري قبل وبعد التعيين؛ ويؤكد هؤلاء أن الجهة ليست بحاجة إلى “مسؤولين مع وقف التنفيذ”، بل إلى أطر مشهود لها بالنزاهة والكفاءة، قادرة على الإنصات لانتظارات الساكنة، ووضع خطط عملية للنهوض بالإقتصاد المحلي وتحسين الخدمات الأساسية.

كما ترتفع أصوات تطالب بإنهاء منطق “النقل العقابي”، إن صحّ، وتعويضه بمنطق الإستحقاق والكفاءة، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص في تولي المسؤولية.

أمام هذا الوضع، تتجدد مطالب ساكنة جهة درعة تافيلالت بضرورة تمكين الجهة من أطر إدارية وتقنية ذات خبرة وسجل مهني نظيف، تكون قادرة على انتشال الإقليم والجهة من براثن اللاتنمية، وإعادة الثقة في المؤسسات العمومية.

فالرهان اليوم، بحسب متتبعين، لا يتعلق فقط بتغيير الأسماء، بل بإرساء فلسفة جديدة في التعيين تقوم على الشفافية، وتراعي خصوصية الجهة وإمكاناتها، وتضع مصلحة المواطن في صلب كل قرار إداري.

ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل ستظل درعة تافيلالت تُختزل في صورة “مقبرة المسؤولين”، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد تحوّلاً حقيقياً يضع الكفاءة والنزاهة معياراً أوحد لتولي المسؤولية، ويمنح الجهة ما تستحقه من اهتمام وإنصاف؟

Exit mobile version