
احتضن الفضاء الجمعوي مولاي علي الشريف بالرشيدية، يوم السبت 13 مارس الجاري، أشغال ندوة تحت عنوان “الإعلام المهني الناجح رافعة للتنمية الجهوية” والذي أشرف على تنظيمه المنتدى الجهوي لتتبع الشأن العام وتقييم السياسات العمومية بدرعة تافيلالت، و عرف نقاشا مستفيضا بمشاركة نخبة من الإعلاميين والباحثين والفاعلين حول سبل النهوض بالقطاع الإعلامي لخدمة قضايا التنمية بالجهة.
و حذر الأستاذ زايد جرو، في رسالة صوتية جرى بثها خلال فقرة مداخلات الجمهور، من كون الإعلام الجهوي يواجه خطر الموت الحتمي في ظل غياب الدعم، مشيراً إلى أن المقاولات الإعلامية تعاني من ثقل المصاريف (كراء، تنقل، ضمان اجتماعي) وهي على حافة الإفلاس. وانتقد بشدة غياب المبادرات الداعمة من المجالس المنتخب، رغم تصريحات الوزارة الوصية بضرورة دعم الإعلام من قبل المجالس الجهوية، متسائلا عن الجهة التي ستنقذ هذه المؤسسات من أزماتها المالية.
و وجه جرو انتقادا مباشرا لمجلس الجهة، مشيرا إلى تراجعه عن الوعود السابقة بدعم الإعلام المحلي، حيث تم تخصيص دعم مالي يفوق 100 مليون سنتيم لمقاولة إعلامية وصفها بأنها “غير حاضرة في الساحة” لتغطية أنشطة المجلس فقط. واستنكر هذا التوجه الذي يغفل دعم بقية المقاولات التي تغطي كافة الإدارات والمشاريع التنموية بالجهة، واصفا هذا الإقصاء بـ “العيب” في حق الجسم الصحفي.
و اختتم المتحدث كلمته بالتأكيد على أن قيمة الإعلام تستمد من كرامة الإعلاميين أنفسهم، داعيا زملائه إلى عدم جعل أنفسهم “متاحين دائما” ليعطوا قيمة لمنتجهم، والتعلم قول “لا” عند الضرورة. كما حمل المسؤولين مسؤولية “قتل الإعلام” عبر سياسة التفقير والإذلال، مذكرا بأن الإعلامي هو من يضحي بوقته وماله لخدمة التنمية وربط المواطن بالإدارة دون مقابل يذكر من الجهات المانحة.
و قال رئيس جماعة الرشيدية في مداخلة له “الحقيقة أنه من خلال قراءة سريعة في هذه المداخلات ومحتوياتها هي مداخلات متكاملة، سلطت الضوء على واقع الممارسة الإعلامية بجهة درعة تافيلالت و حول أعطابها و تطلعاتها، و انتظاراتها، وحول مجموعة من القضايا”.
و اعتبر سعيد كريمي، أن المداخلات، “فككت وخلخلت أيضا الجانب الإعلامي في علاقته بالسلطات الوصية، في علاقته بالدولة، في علاقته بالمؤسسات المنتخبة، كما أنها خلصت إلى مجموعة من النتائج المهمة جدا التي يمكن أن اعتبارها بوصلة، ويمكن أن الاهتداء والاقتداء بها، لأننا في المغرب، ما زلنا نعيش مرحلة ما يسمى بالانتقال الديمقراطي”.
و أضاف كريمي، أن الانتقال الديمقراطي يجرنا أيضا للحديث على مجموعة من الأوراش التي من بينها الجهوية المتقدمة، معتبرا إن الإعلام هو رافعة حقيقية، ولا يمكن لأي مجتمع الآن أن يعرف تقدما وأن يسوق أيضا حتى لنفسه ولمنجزه بدون إعلام. فالإعلام، يعني، هو ركن من الأركان الأساسية لتقدم أي مجتمع. لكن، أي إعلام؟ عن أي إعلام نتحدث؟ مؤكدا أن الإعلامي أو المؤسسات أو المقاولات الإعلامية الآن هي في أمس الحاجة إلى الاستقلالية، و أن تكون مستقلة بمواردها المالية.”
و يرى الاستاذ عزيز منتصر، أن المشهد الإعلامي المغربي لا يمكن فصله عن سياق الصراع التاريخي والاجتماعي الذي عرفته البلاد منذ أواخر القرن الماضي، فبعد مرحلة اتسمت بالتضييق والاعتقالات، دخل المغرب عصر النظام العالمي الجديد الذي فرضت فيه الرأسمالية هيمنتها عبر أدوات تكنولوجية متطورة، يقول المتحدث” حولت المعلومة إلى جزء من صراع المصالح. وفي هذا الإطار، يشدد المتحدث على أن الإعلام لا يمكن أن يقف موقف الحياد السلبي أو فوق الصراعات الاجتماعية، بل يجب أن يحدد موقعه بوضوح كقوة ضاغطة تدافع عن عموم الشعب وتساهم في رفع منسوب الوعي لديه”.
وفي ذات السياق، ينتقد منتصر التبعية المالية للصحافة، محذرا من تحولها إلى أداة في يد الجهات المانحة مثل رؤوس الأموال أو المجالس المنتخبة (الجهات والبلديات). فغياب الاستقلال المادي يجعل الإعلامي عاجزا عن ممارسة دوره الرقابي، مما يحوله إلى بوق يروج لمظاهر تنموية شكلية دون الغوص في جوهر التنمية الحقيقي.
فالتنمية، من وجهة نظره، ليست مجرد أرقام أو تشييد للمباني، بل هي مدى قدرة الإعلام على كشف الفساد، ومحاربة الظلم، وقياس الأثر الفعلي للمشاريع على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، داعيا “إلى ضرورة بزوغ صحافة أصدقاء الشعب؛ وهي تلك الصحافة المهنية التي تتمكن من أدواتها التحليلية، وتجعل من مصلحة المواطن البسيط والعدالة الاجتماعية بوصلتها الأساسية، بعيدا عن السقوط في فخ الاسترزاق أو التغطية على الاختلالات التي تعيق التنمية الحقيقية في الجهة والوطن.






